«أبوزهرة».. فنان الأجيال
«أبوزهرة».. فنان الأجيال
في ممر المسرح القومي العتيق، وحيث تفوح رائحة الخشب الممزوجة بعبق التاريخ، يقف رجل لم يكتفِ بأن يكون ممثلاً، بل أراد أن يكون صوتاً للأرض وقناعاً لكل الوجوه، فعبدالرحمن أبوزهرة، لم يكن مجرد اسم في تترات المسلسلات والأفلام، بل كان يعد بمثابة مؤسسة فنية أدرك منذ عقود طوال أن البطولة لا تُقاس بعدد المشاهد، بل بمقدار الأثر الذي يتركه الممثل في وجدان المشاهد.
«أبوزهرة»، الذي وُلد عام 1934، لم يكن ممثلاً عابراً، بل كان بمثابة أحد حراس «زمن الفن الجميل» كما يراه محبوه، فمنذ تخرجه في نهاية الخمسينات من القرن الماضى، اختار الطريق الأصعب، وهو المسرح، فصار «سيد اللغة» الذي طوَّع الفصحى في المسرح القومى لتنساب كشعر مغنى، حيث تعلّم هناك كيف يطوع صوته الجهورى وجسده لخدمة النص، ليصبح واحداً من «أسطوات» المسرح الذين قدموا روائع مثل «بداية ونهاية»، فقد كان يمتلك حالة استثنائية في الأداء.
ورغم كونه «ابن المسرح» مجازاً، فإن شاشة التليفزيون احتضنت عبقريته بذكاء، حيث تنوعت أدواره بين المعلم الوقور في أدوار الحكيم والأب الصارم، والشرير المتلون الذي يجعلك تكرهه ببراعة ثم تشفق عليه بعمق، منها دور «إبراهيم سردينة» في مسلسل «لن أعيش في جلباب أبى»، حيث نجح في تحويل شخصية التاجر العصامى إلى نموذج إنسانى يُدرس في القيم والشهامة، حتى أصبح أيقونة تتناقلها الأجيال عبر «الكوميكس» ووسائل التواصل الاجتماعى.
لم يكتفِ «أبوزهرة» بالظهور بجسده، بل منح صوته للأجيال التى لم تشاهد مسرحياته، فهو صاحب البصمة الخالدة في عالم «ديزنى» بالعربية، منها «جعفر» في فيلم «علاء الدين»، حيث جسد الشر بلكنة فخمة ومرعبة، و«سكار» في فيلم «الأسد الملك»، الدور الذي وصفته «ديزنى» العالمية بأنه من أفضل الأداءات الصوتية للشخصية حول العالم.
عُرف الفنان الراحل بآرائه الجريئة ومواقفه التى لا تقبل المساومة فيما يخص قيمة الفنان، إذ كان يرى الفن رسالة تنويرية لا وسيلة ترفيهية، وهو ما جعل اختياراته في سنواته الأخيرة تتسم بالدقة والزهد في الوجود، وكان يمثل جيل الالتزام، الذي يقرأ النص كأنه قصيدة، ويقف أمام الكاميرا كأنه في حضرة المحكمة.