عبدالرحمن أبوزهرة

كان الفنان عبدالرحمن أبوزهرة، الذي غادر دنيانا يوم الاثنين الماضى، متمكناً من الأداء في كل الأدوار التى أسندت إليه، سواء في السينما أو الدراما التليفزيونية، أما على المسرح فهو واحد من عمالقة التمثيل دون شك، لاسيما في المسرح الشعرى، أو مسرح النصوص الفصيحة عموماً.

كانت له سمات وقسمات متميزة، وصاحب لسان فصيح، يؤمن بدور فن التمثيل في تعزيز شعورنا بالجمال والغبطة، واستلهامنا الكثير من القيم الإنسانية، وفهمنا الأكثر للحياة وتصاريفها، والمجتمع وشئونه في الأفراح والأتراح.

وإذا كان أنجح ما يفعله كاتب الرواية هو أن يضيف إلى الحياة شخصية تصير أمثولة أو نموذجاً وفق ما يراه الناقد العظيم محمد مندور في كتابه «نماذج بشرية» مثل شخصية السيد أحمد عبدالجواد والست أمينة في ثلاثية نجيب محفوظ، أو «دون كيخوته» للإسبانى سيرفانتس، سواء كانت شخصيات مخترَعة أو مستمَدة من الواقع وأضاف الكاتب إليها، فإن من حُسن حظ وأداء الممثل أن يؤدى دوراً يصبح على هذا النحو.

وقد فعلها «أبوزهرة» من براعته في أداء شخصية «المعلم سردينة» في مسلسل «لن أعيش في جلباب أبى» المأخوذ عن رواية للأستاذ إحسان عبدالقدوس بهذا العنوان، وأعدّ لها الأستاذ مصطفي محرم السيناريو والحوار. فقد لفت انتباهى أن الناس يستدعون على وسائل التواصل الاجتماعى شخصية «سردينة» بهيئتها التى جسّدها هذا الفنان الكبير، مثالاً للعطاء والبذل والصبر والحلم، والقدرة على مساعدة من حوله على أن يشقُّوا لهم في الحياة درباً ناجحاً.

وله أيضاً العديد من الأدوار التى لا تُنسى في أفلام ومسلسلات تليفزيونية وإذاعية ناجحة، فأنا أحب دوره في فيلم «ديل السمكة»، فهو صاحب المكتبة الثقافية في حى شعبى، وأراه أبرع من لعب دور الحجاج بن يوسف الثقفي في المسلسل التاريخى «عمر بن عبدالعزيز»، ولا أنسى صوته عبر الراديو حين كنا ننتظر في لهفة برنامجاً أسبوعياً رائعاً كان اسمه «قطوف الأدب من كلام العرب».

كان أول عمل له هو المشاركة في مسرحية «عودة الشباب» لتوفيق الحكيم، وبعدها شارك في كثير من الأعمال الإذاعية، لاسيما المأخوذة عن الأدب العالمى، التى بثتها إذاعة البرنامج الثقافى. ظهر في أدوار تاريخية وكوميدية ودرامية، حتى إنك حين تطالع صفحته على ويكيبيديا تجد أنه قد شارك في مئات الأعمال الدرامية، تليفزيونية وإذاعية، والمسرحية، والسينمائية، على مدار عمره الطويل الذي امتد نحو اثنين وتسعين عاماً.

رأيت «أبوزهرة» وجهاً لوجه وتناقشنا مرة واحدة، وكنت يومها أشارك في مناقشة رواية «شوق الدرويش» بإحدى قاعات المجلس الأعلى للثقافة، وما إن جلست على المنصة حتى وقعت عليه عيناى فجأة وهو يدخل القاعة، فرحبت به، ثم جلس ينصت إلى مداخلتى، فلمّا انتهيت وانتقل الميكروفون إلى الجالسين يعقبون أو يسألون، طلب الكلمة، فتطلّعنا إليه، ثم قال بلغة عربية تطرب لعباراتها وطريقة نطقها: «أنا لم أقرأ الرواية، ولم أكن أعرف ماذا سيحدث هنا؟ لكننى لمحت الأستاذ عمار يدخل القاعة، فقلت لنفسى: لا بد أنه سيكون شىء مهم ومفيد، وهذا ما وجدته، والحمد لله، لم يضع وقتى سدى»، ثم تحدث بشكل عام عن الأدب وخصوصاً الرواية، وعرج على العلاقات المصرية السودانية فرأيناه رجلاً وطنياً فاهماً طامحاً إلى ما فيه خير البلاد والعباد.

رحم الله الفنان القدير عبدالرحمن أبوزهرة، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله الصبر والسلوان. خالص العزاء لهم، وخصوصاً ابنه وابنته، وصهره الفنان القدير الأستاذ مفيد عاشور.