جنازة «أبوزهرة» والزمن الرديء

أميرة خواسك

أميرة خواسك

كاتب صحفي

الكلمات التي نعى بها عازف البيانو أحمد والده الفنان الكبير عبدالرحمن أبوزهرة واحدة من أنبل العبارات التي قرأتها مؤخراً، والتي قال فيها: (مات مَن علمني أن الدين معاملة وليس مظاهر فقط، وأن قول كلمة الحق سيف على الرقبة مهما كانت العواقب، وأن الشرف والأمانة والصدق والاجتهاد هي سمات الإنسان الشريف مهما كانت التحديات ومهما كان الزمن ضده). وأضاف أيضاً: (مات الفنان المناضل من أجل القيم والأخلاق، عاش حياته كلها يُعلي من القيم الإنسانية العظيمة في كل أعماله الفنية، وأن الرجل والفنان هما كلمة وموقف).
أعيد كتابة عبارات أحمد عبدالرحمن أبوزهرة، لأنها دالة على أن هذا الفنان الكبير الذي رحل، لم يكن يختلف كثيراً عن أي أب عظيم غرس في أبنائه قيماً وأخلاقيات قلما نراها في أيامنا هذه، أقول هذا أيضاً بعد تلك الصورة غير اللائقة لجنازة فنان عظيم بحجم عبدالرحمن أبوزهرة وقد كانت شبه خالية من الأفواج المتعاقبة لنجوم الفن الذين نراهم دائماً يحرصون على المشاركة في جنازات وعزاءات مَن هم أقل قدراً من عبدالرحمن أبوزهرة، لكنهم قد يكونون أكثر منه مالاً أو مصلحة أو سلطة.
كما لا أعرف لماذا تداول الخبثاء الآن بعض الانتقادات السابقة الموجهة للفنان الكبير الراحل من أنصاف الفنانين، التي حاولوا بها تشويه صورته كرجل متعالٍ حاد شديد القسوة والغضب، وليس لديَّ تفسير لهذا سوى أن من وجّهوا انتقادات للفنان القدير وتطاولوا عليه ليس لسوء طبعه كما روجوا، ولكن لأنه لم يكن يتقبل التغيرات الرديئة التي كان يلمسها هو وغيره من الجيل الذي تربى على قيم المسرح في زمن ولى وولت معه قيم وأخلاقيات كثيرة، وربما يصمت كثيرون غيره ويؤثرون السلامة، لكن وضوحه وشجاعته أوقفاه عن الصمت الذي يلوذ به الكثيرون حتى ينأوا بأنفسهم عما لاقاه «أبوزهرة» ممن أضيروا بتوجيهاته التي ربما تكون حادة، والتي يقبلونها من نجوم آخرين أقل منه في القيمة وأعلى منه في الأجر، يتحكمون في كل تفاصيل العمل الفني ولا يتجرأ أحد على مراجعتهم، ولكن لأن عبدالرحمن أبوزهرة كانت السن قد تقدمت به فلا مانع من التجرؤ عليه.
الحقيقة أنني لا أعرف الفنان الراحل معرفة شخصية، لكنني أعرف جيداً تاريخه وأعماله وإسهاماته الغزيرة في المسرح والسينما والتليفزيون والإذاعة، وأعرف قدره كواحد من الرعيل الذي تمسك بمبادئه واختار أدواره بعناية وقدمها بمستوى يطال العالمية بل يتجاوزها، وهذا هو ما يهمني ويهم كل محبي الفن الراقي.
على مدى سبعة عقود هي سنوات مشاركة «أبوزهرة» في الحياة الفنية قدم مائة مسرحية، كما قدم مئات الأعمال التليفزيونية والسينمائية والإذاعية، حتى بلغ مجمل أعماله أربعمائة. ليس من بينهما عمل تافه أو مُسف أو دون المستوى، بل كانت كلها علامات في تاريخ الفن المصري، لهذا وغيره كنت أتمنى أن يتقدم جنازة الراحل الكبير أساتذة معهد الفنون المسرحية، ومعهد النقد الفني وطلبة أكاديمية الفنون ونجوم المسرح المصري، وكنت أتمنى أن يكون وداعه لائقاً بتاريخه وتاريخ الفن المصري، ليس فقط من أجل تاريخ عبدالرحمن أبوزهرة ولكن من أجل قيم يجب أن يغرسوها في طلابهم، ولكن هذه هي حال الدنيا مع الأسف.