عندما يختفي الشغف

خديجة حمودة

خديجة حمودة

كاتب صحفي

ماذا يحدث لنا إذا فقدنا الشغف للحياة أو للعمل والبقاء والاستمتاع بكل ما يحيط بنا؟ وهل تكون هذه درجة من درجات الموت أو الرغبة فيه أم كيف يمكن وصفها أو تسميتها؟ وإذا كان الشغف هو شعور حماس قوي وعميق ورغبة شديدة لا تقاوم تجاه شيء أو شخص أو نشاط معين، فإنه يُمثل قوة داخلية تدفع الشخص للاستمتاع والتميّز في ما يحب، وهو أرقى مراتب الحب والتعلق.
وفي اللغة العربية، فإن المعنى اللغوي الدقيق لشغاف القلب أنه الغلاف الشفاف الرقيق الذي يحيط بالقلب، وعندما يُقال شغف حباً فالمعنى وصل الحب إلى شغاف القلب وبقي تحته كما في قوله تعالى (قد شغفها حباً) أي أصاب قلبها. وفي المعنى الاصطلاحي والنفسي هذا التعبير يعني الحماس الشديد والاهتمام البالغ بنشاط أو فكرة، مما قد يدفع المرء إلى الاندفاع للإبداع والعمل في مجال شغفه، الأمر الذي يؤدي غالباً إلى التميّز والمهارة العالية في المجال الشغوف به.
وفي اللغة اليونانية يترجم على أنه معاناة أو تحكم، وهو شعور بالحماس الشديد والاهتمام المتلهف أو الإعجاب بفكرة أو مقترح أو دعوة ما. ورغم أن هذا المصطلح يُستخدم في سياق الرومانسية إلا أنه يوحي عموماً باهتمام أكثر عمقاً وأكثر شمولاً، حيث يصفه الفيلسوف دنيس ديدرو بأنه ولع شديد وميول وحالة تكون فيها الروح متأثرة بدرجة ما، ومن هنا اشتُقت الكلمة بالغة الإنجليزية passion، ومعناها هذا الميل، أو ما يدعى النزعة النفسية التي تنبع من الرأي الذي يرى فيه الإنسان أن هناك خيراً عظيماً موجوداً في أمر يثير الشغف بحد ذاته.
ولا يمكن تجاهل الشغف الفكري، حيث يؤكد ويصر جورج برنارد شو على أن «هناك شغفاً أكثر إثارة بكثير من الشغف المادية.. شغف فكري، شغف رياضي، شغف للاستكشاف والاستجلاء: وهي أقوى ما يوجد من الشغف». وقد دعا سيجموند فرويد -الذي عاصر برنارد شو- إلى الاستمرارية (وليس التباين) بين الاثنين، مادياً وفكرياً، وأشاد بالطريقة التي «تمكن بها ليوناردو من التسامي بشغفه الجنسي بقوة إلى مستوى الرغبة في إجراء أبحاث علمية مستقلة». ويمكن القول إنه كحافز في مهنة توجد أسباب مختلفة تدفع الأفراد إلى العمل في وظائفهم. فقد يشمل ذلك الشغف نحو مهنة، أو شركة، أو نشاط. عندما يحرز المديرون أو المهنيون أهدافاً شغِفة في مهنتهم فإنهم يميلون إلى أن يصبحوا أقل هوساً في سلوكهم أثناء عملهم، الأمر الذي يؤدي إلى إنجاز المزيد من العمل وشعورهم بالمزيد من الرضا عن وظائفهم.
هؤلاء الأفراد لديهم مستويات أعلى ذاتياً من الرفاهية والصحة النفسية. عندما يستمتع الأشخاص حقاً بمهنتهم ويندفعون بدافع الشغف، يكونون أكثر ارتياحاً لعملهم ويتمتّعون بصحة نفسية أفضل. عندما يكون المديرون أو المهنيون غير راضين عن مهنتهم، فتزداد قابليتهم للشعور بعدم الرضا عن علاقاتهم الأسرية ويميلون للشعور بالمعاناة النفسية.
من بين الأسباب الأخرى التي تجعل الناس أكثر ارتياحاً عندما يكون دافعهم هو شغفهم تجاه مهنتهم هو آثار الدوافع الداخلية والخارجية. عندما يقوم المديرون أو المهنيون بعمل ما لإرضاء الآخرين، فإنهم عادة ما يحصلون على مستويات منخفضة من الرضا والصحة النفسية.
كما أثبت هؤلاء الأفراد أنفسهم أنهم مدفوعون بعدة معتقدات ومخاوف تتعلق بأشخاص آخرين، ورغم أن بعض الأفراد يعتقدون أنه لا ينبغي للمرء أن يعمل لساعات طوال، فإن الكثيرين يفضّلون ذلك بسبب شغفهم الشديد بالعمل. من ناحية أخرى، قد يسبّب ذلك توتراً في العلاقات العائلية والصداقات. التوازن بين الأمرين شيء يصعب تحقيقه، ومن الصعب دائماً إرضاء الطرفين.
فهل يمكن أن نُرجع نجاحات العلماء والمفكرين والثوار وأصحاب الرأي والعلاقات الإنسانية الناجحة والمستمرة سنوات وسنوات إلى هذا الساحر البديع الذي يحيط بقلوبهم ويتغلغلها ويسكن داخلها والمسمى الشغف؟