ما قبل التنسيق..!

في كل عام، ومع اقتراب امتحانات الثانوية العامة أو ظهور نتيجتها، يعود الجدل المعتاد: هل نظام الثانوية العامة عادل، وهل يحتاج إلى تطوير، وهل التنسيق ما زال مناسباً للعصر الحالي؟
لكن الحقيقة التي ربما نتجاهلها دائماً، هي أن أزمة الثانوية العامة ليست أزمة امتحان فقط، وإنما هي انعكاس مباشر لأزمة تعليم كاملة تبدأ منذ السنوات الأولى داخل المدرسة.
فلا يمكن أن نطالب طالباً بالتفكير والإبداع والتحليل، بينما قضى معظم سنواته الدراسية يعتمد على الحفظ والتلقين. ولا يمكن أن نتحدث عن تطوير الامتحانات، بينما لا يزال جزء كبير من العملية التعليمية قائماً على فكرة «النموذج المتوقع» و«الإجابة المحفوظة» و«الدرجة النهائية»، أكثر من بناء شخصية قادرة على الفهم والتعلم الحقيقي.
ومن هنا، فإن أي حديث جاد عن تطوير التعليم قبل الجامعي يجب أن يسبقه حديث شديد الأهمية عن متطلبات هذا التعليم.. فالثانوية العامة في النهاية ليست سوى المحطة الأخيرة في رحلة طويلة، فإذا كانت الرحلة نفسها تعاني من الخلل، فلن يُصلح النهايةَ تغييرُ شكل الامتحان وحده.
ورغم ذلك، تبقى الثانوية العامة -حتى الآن- واحدة من أكثر وسائل التقييم عدالة في المجتمع المصري. وربما تكون الوسيلة الوحيدة تقريباً التي تمنح الطالب القادم من قرية بسيطة أو أسرة محدودة الدخل فرصة حقيقية لمنافسة الجميع على مقاعد الكليات الكبرى. ولهذا السبب تحديداً، يخشى الناس دائماً أي تغيير جذري فيها، لأنهم يرون فيها آخر ما تبقى من مبدأ تكافؤ الفرص.
المشكلة الحقيقية ليست في فكرة الامتحان الموحد نفسها، بل في تحويل هذا الامتحان إلى المحدد الوحيد لمستقبل الإنسان. فمن غير المنطقي أن يُختزل مستقبل طالب كامل في بضعة أيام، أو في حالة نفسية عابرة، أو حتى في خطأ بسيط داخل لجنة امتحان.
ولدينا جميعاً نماذج لطلاب امتلكوا ذكاءً وقدرات حقيقية، لكنهم لم يحققوا المجموع الذي يحلمون به، بينما نجح آخرون في حصد درجات مرتفعة بفضل مهارات التعامل مع الامتحان ذاته، لا بفضل امتلاكهم الشغف أو الموهبة المناسبة للتخصص.
وهنا يظهر الحديث عن تطوير التنسيق الجامعي أيضاً. فاختيار التخصصات بناءً على «رقم» فقط لم يعد كافياً في عالم أصبحت فيه الجامعات الكبرى تعتمد على تقييمات متعددة تشمل القدرات الشخصية، والمهارات، والاختبارات التخصصية، وحتى الأنشطة والتجارب المختلفة.
فالطب مثلاً لا يحتاج فقط إلى طالب متفوق في الأحياء والكيمياء، بل يحتاج إلى شخصية تتحمل الضغوط وتمتلك القدرة على التواصل الإنساني. والهندسة تحتاج عقلية تحليلية مختلفة، والإعلام يحتاج موهبة وحضوراً وثقافة، وهي أمور لا تستطيع ورقة إجابة تقليدية قياسها بالكامل.
إن تطوير التعليم الحقيقي يبدأ من المدرسة، ومن المعلم، ومن طريقة بناء عقل الطالب، لا من تغيير شكل ورقة الامتحان فقط. أما الثانوية العامة، فهي مجرد مرآة تعكس ما يحدث طوال سنوات التعليم. وإذا أردنا إصلاح الصورة الأخيرة، فعلينا أولاً إصلاحها قبلها.. أو هكذا أعتقد.