«أبوزهرة».. ملك الأدوار المؤثرة
وقف الطالب المتفوق دراسيا وسط زملائه في جانب خفي من فناء المدرسة، يتابع الطلاب في إظهار ملكاتهم بالنكات والملاكمة وتأليف المواقف الكاذبة وسط ضحكات مكتومة حتى لا تلفت الانتباه، وجاء عليه الدور ليُظهر جانباً من ملكاته أو مواهبه وهو لا يعرف سوى التحصيل الدراسي وعدد من أبيات الشعر والروايات التي يحرص على قراءتها، ولكن لو أظهرها أمامهم فسيكون هو مادة الطلاب للسخرية والنكات فما كان منه إلا محاولة تقليد مدرسى المدرسة فى مواقف مختلفة جعلت الضحكات المكتومة قهقهة، لم يكن يعرف وهو يقلد الأساتذة أن هناك عيناً ترصد حركاته وسرعة بديهته وترى فيه ما لا يراه هو فى نفسه، ما هى إلا دقائق وانتهت «الفسحة» وراح الجميع على الفصول ليفاجأ بمدرس يطلبه من وسط الفصل ويصطحبه ويطلب منه الانضمام إلى فريق التمثيل فى المدرسة، لكنه رفض بكلمات متلعثمة وبأسلوب مهذب وعاد إلى الفصل.
لم ينم هذا اليوم كالمعتاد بعد أن أنهى دروسه وراح يفكر فى ماهية المسرح المدرسى وهو لم يستمع للإذاعة أو يحضر عرضاً مسرحياً، ولكن الفكرة ظلت عالقة فى رأسه وكلما فاتحه مدرس المسرح فى الأمر يرفض بحجة أنه سينشغل عن التحصيل الدراسى، كما أن طبيعته الخجولة تمنعه من الوقف على المسرح، ولكن مع الإلحاح وافق ودخل لأول مرة قاعة المسرح بالمدرسة ليكتشف عالما جديدا ويكتشف معها إمكانياته ومواهبه، أصبح المسرح جزءا من حياته حتى العرض الذى شارك فيه أخذ عنه جائزة، ومع هذا لم يخطط ليكون ممثلاً، فكان التعليم الثانوى بوابة لإحدى كليات القمة ولكن مدرس المسرح نصحه بدخول معهد الفنون المسرحية وأعطاه العنوان.
لم يتخيل يوماً وهو فى طريقه إلى اختبارات المعهد أنه سيكون إحدى جواهر تاج التمثيل فى مصر والعالم العربى وصاحب المشوار الأطول فى الفن امتد لستة عقود أثمرت 400 عمل درامى ومائة عرض مسرحى بجانب الأعمال المدبلجة.
إنه الفنان عبدالرحمن أبوزهرة الذى رحل عن عالمنا منذ عدة أيام، صاحب الأداء السهل الممتنع، الذى أجاد فى الكوميديا نفس إجادته للتراجيديا والميلودراما، الشرير والطيب والقبيح واللعوب، تعلقت به أجيال وهو يقدم برامج تحمل القيم والمعانى، أمثال «أجمل الزهور» ثم دبلجة الأعمال العالمية مثل «الأسد سكار في الأسد الملك وشخصية جعفر في علاء الدين» وهو ما جعل عدة أجيال ترتبط به.
عاش «أبوزهرة» بين عالمين منفصلين، الأول الواقع فى حياته الأسرية وتكوين عائلة فنية يسرى فيها الفن مسرى الدم فى العروق والأخرى عالم الفن والخيال، حيث كان يخلص لكل عمل يقوم به لدرجة أنه كان يحلم بالشخصيات التى سيقوم بها، ووصلت درجة إجادته بأنه رجل الأدوار الصعبة، فهو الوحيد الذى جسد شخصية متوفى وهو أكثر نجم قدم أعمالاً تاريخية، فإجادته للغة العربية ومخارج حروفه أهلته ليكون قاسماً مشتركاً فى كل الأعمال التاريخية وأرى أنه أفضل من قدم شخصية الحاج بن يوسف الثقفى، لم يكن يهتم بمساحة الدور بقدر اهتمامه بتأثيره وهو ما جعله ملك الأدوار المؤثرة.
رحم الله الفنان عبدالرحمن أبوزهرة الذي كان الإخلاص سر تربعه فى قلوب الملايين وجعل السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي ينعاه بكلمات مؤثرة تدل على تقدير الدولة لهذا الفنان الكبير.