كيف يقتل الغرور إنسانيتنا؟
يحتاج المرء منا إلى وقفة طويلة مع النفس.
ليسأل: ماذا فعل؟
من ظلم؟
من آذى؟
ومن الذي عبر حياته كإعصار ثم مضى، تاركا خلفه أرواحا مكسورة، بينما يواصل هو السير وكأن شيئا لم يحدث؟
ليست المشكلة دائما في الشر الصريح، فالأشرار الواضحون أقل خطرا من أولئك الذين يرتكبون الأذى وهم مقتنعون تماما أنهم على حق، أولئك الذين لا يراجعون أنفسهم أبدا، لأنهم بنوا داخل أرواحهم تمثالا ضخما لأنفسهم، ثم جلسوا يعبدونه في صمت.
جنون العظمة لا يبدأ كما نظن.
لا يولد الإنسان ـ أي إنسان ـ وهو يرى نفسه مركز الكون، لكنه يصل إلى ذلك بالتدريج، حين يتوقف عن الإصغاء، ويعتبر كل نقد إهانة، وكل اختلاف خيانة، وكل اعتذار هزيمة شخصية.
شيئا فشيئا، تتضخم صورته الداخلية حتى تصبح أكبر من الحقيقة نفسها، فيعيش داخل نسخة متخيلة من ذاته، لا داخل ذاته الحقيقية، وهنا تحدث الكارثة.
لأن الإنسان حين يعجز عن رؤية عيوبه، يبدأ تلقائيا في تحميل الآخرين مسؤولية كل شيء، يفشل بسبب الحسد، ويرفض بسبب غباء الناس، ويخسر لأن العالم لا يفهمه، ويؤذي لأن الآخرين استحقوا، حتى أخطاؤه تصبح في نظره بطولة، وقسوته تتحول إلى صراحة، وتعاليه يصبح ثقة بالنفس، وأنانيته تقدم باعتبارها حفاظا على الكرامة.
إن أخطر ما يفعله جنون العظمة بالإنسان، أنه يحرمه من لحظة الصدق الوحيدة القادرة على إنقاذه، وهي لحظة الاعتراف، فالاعتراف ليس إذلالا للنفس كما يظن البعض، لكنه أعلى درجات الشجاعة الإنسانية، أن يجلس الإنسان مع نفسه دون جمهور، دون تصفيق، دون تبريرات جاهزة، ثم يقول: نعم.. لقد أخطأت.
هذه الجملة البسيطة تحتاج روحا ناضجة، لأن كثيرين يستطيعون مواجهة العالم، لكنهم يعجزون عن مواجهة ذواتهم، ولهذا ترى بعض الناس يكبرون في العمر، لكنهم لا ينضجون أبدا، تتغير وجوههم، وتتجعد أيديهم، بينما تبقى أرواحهم عالقة عند مرحلة الدفاع المستمر عن النفس.
لا يعتذرون، لا يراجعون، لا يتأملون، لأن التأمل بالنسبة لهم باب مخيف قد يكشف هشاشتهم القديمة التي دفنوها تحت طبقات من الغرور، وفي العمق، خلف هذا التكبر الظاهر، يوجد غالبا إنسان خائف، فالغرور المبالغ فيه ليس دائما علامة قوة، إنما قناعا نفسيا هشا يخفي شعورا عميقا بالنقص.
بعض الناس تعرضوا في طفولتهم للتقليل المستمر، أو الإهمال، أو السخرية، فكبروا وهم يحملون جرحا خفيا يقول لهم: أنت لا تساوي شيئا، ولأن مواجهة هذا الجرح مؤلمة، يصنع العقل دفاعا معاكسا، هو تضخيم الذات، فيتحول الإنسان من شخص مكسور يبحث عن الحب، إلى شخص يطالب بالتقديس، ومن طفل كان يحتاج الاحتواء، إلى بالغ يريد السيطرة، ومن روح خائفة من الرفض، إلى روح ترفض الجميع قبل أن يرفضها أحد، لهذا فإن بعض المتعجرفين ليسوا سعداء كما يبدو، إنهم فقط مرهقون من تمثيل دور الإنسان الكامل طوال الوقت.
لكن المشكلة أن هذا القناع لا يؤذي صاحبه وحده، إنما يؤذي كل من يقترب منه أيضا، لأن الإنسان الذي لا يرى أخطاءه، سيدوس على الآخرين دون أن يشعر، وسيكسر القلوب وهو يعتقد أنه يربيهم، وسيجرح من يحبونه تحت شعار أنا واضح وصريح، وسيترك خلفه خرابا نفسيا كبيرا، ثم ينام مرتاح الضمير، لأنه أقنع نفسه دائما أنه الضحية.
وهنا تصبح المحاسبة ضرورة أخلاقية ونفسية، لا رفاهية روحية، أن يتوقف الإنسان أحيانا ليسأل نفسه: هل كنت قاسيا أكثر مما ينبغي؟
هل ظلمت أحدا فقط لأنني كنت غاضبا؟
هل استمعت فعلا، أم كنت أنتظر دوري في الكلام فقط؟
هل أحببت الناس، أم أحببت شعوري بالتفوق عليهم؟
هذه الأسئلة ليست ضعفا، لكنها علامات صحة نفسية.
فالإنسان السوي ليس إنسانا بلا أخطاء، لكنه إنسان قادر على رؤية أخطائه دون أن ينهار، وقادر على الاعتذار دون أن يشعر بأنه فقد قيمته.
أما من يعيش أسير صورته المثالية، فإنه يتحول بالتدريج إلى سجين داخل مرآة ضخمة، لا يرى فيها إلا نفسه، والعلاج الحقيقي لا يبدأ من النصائح، لكن من التواضع، من لحظة إدراك مؤلمة لكن ضرورية: أنا لست معصوما؟
حينها فقط يبدأ الإنسان في استعادة إنسانيته، يتعلم الإصغاء بدل الدفاع المستمر، ويتعلم الاعتذار بدل التبرير، ويفهم أن القيمة الحقيقية لا تأتي من الشعور بالعظمة، لكن من القدرة على الرحمة، وعلى مراجعة النفس، وعلى الاعتراف بأننا جميعا ناقصون بطريقة ما.
وربما لهذا السبب، كانت أكثر الأرواح نضجا هي تلك التي عرفت هشاشتها جيدا، فالأشخاص الذين تأملوا أخطاءهم طويلا، وبكوا سرا على ما فعلوه بالآخرين، غالبا ما يصبحون أكثر لطفا واتزانا، لأنهم أدركوا حقيقة بسيطة جدا، هي أن الإنسان لا يكبر حين ينتصر دائما، لكن حين يفهم نفسه أخيرا.
وفي النهاية، لا يحتاج المرء إلى أن يكون كاملا، بقدر ما يحتاج أن يكون صادقا مع نفسه، فالحياة ليست محكمة لإثبات البراءة الدائمة، لكنها فرصة نادرة لفهم ذواتنا قبل أن ينتهي كل شيء، وأسوأ ما قد يحدث للإنسان، ألا يكتشف أذاه إلا بعد فوات الأوان، عندما يصبح الاعتذار مستحيلا، ويصبح الذين كسرهم مجرد ذكريات بعيدة، لا تعود.