ولا يلتفت منكم أحد

رحاب لؤي

رحاب لؤي

كاتب صحفي

هل يتحول الشعور بالاضطهاد مع الوقت إلى «كيف» يمنح صاحبه جرعات من المشاعر الجياشة، التي لا يعود معها العالم صالحاً إلا إن كان هو ضحية والبقية ظالمين مجرمين؟ الحقيقة بالكامل تبدو واضحة بشكل «فاضح» عبر تلك الدراسة الصادرة حديثاً بعنوان يدعو للتأمل: «العلاقة بين عقلية الضحية واستعراض المظلومية والنرجسية: الحاجة لأن يراك الآخرون كضحية»، مفاجأة كبرى أليس كذلك؟


الدراسة التي نُشرت في مارس 2026 حاول خلالها أربعة باحثون كنديون فهم سؤال رئيسي «لماذا يحتاج بعض الناس نفسياً أن يراهم الآخرون كضحايا؟» وللإجابة عن ذلك السؤال درسوا العلاقة بين ثلاثة أمور رئيسية، الأمر الأول «الميل للاضطهاد الشخصي»، الذي يجعل الشخص يرى نفسه كضحية باستمرار، وأن الناس ظلموه وأساءوا له بشكل متكرر، حتى يصبح شعور «الضحية» جزءاً من هويته النفسية، والأمر الثاني ما أسموه «إشارات الضحية» حين يبدأ في إعلان المظلومية بشكل علني، وتظهر المعاناة أمام الآخرين، ويتم استخدام صورة الشخص «المتأذي» كسباً للتعاطف والدعم والاهتمام، وأحياناً النفوذ الاجتماعي، والأمر الثالث هو توفر السمات «النرجسية» في الشخص، وتلك نوعان فإما أن الشخص يشعر بإحساس تفوق وحب سيطرة وجذب انتباه وثقة زائدة بالنفس، أو أنها نرجسية هشة وحساسة، وهؤلاء يتسمون بالحساسية الشديدة للنقد والشعور الدائم بعدم التقدير وشعور الظلم والاضطهاد.


طبق الباحثون الأربعة دراستهم على 400 شخص، وخرجوا بنتائج مذهلة برأيي، أولاها أن عقلية الضحية ترتبط بقوة بالنرجسية الهشة، فالأشخاص الذين لديهم حساسية زائدة وشعور دائم بعدم التقدير، وانفعال عاطفي مرتفع كانوا أكثر ميلاً لرؤية أنفسهم كضحايا، هكذا لا يتوقفون عن اجترار الإهانات والظلم، وتفسير المواقف باعتبارها اعتداءات شخصية.


المفاجأة كانت في النتيجة الثانية، وهي أن بعض الناس لا يكتفون بالشعور الداخلي بالمظلومية، بل يريدون أن يراهم الآخرون كضحايا حقاً، فتتحول «المظلومية» إلى «هوية» و«وسيلة» تأثير اجتماعي، أشبه ببطاقة شخصية: «أهلاً بك أنا مظلوم كيف حالك؟».


هذا لا ينفي أن البعض يتعرض لصدمات وظلم حقيقي، لكن هذا لا يصنع من الجميع «ضحايا»، بشكل أبسط، عقلية الضحية ليست مرادفاً للتعرض الحقيقي للأذى، البعض يطور عقلية الضحية لأسباب شخصية، أو تربوية أو نفسية أو حتى من دون صدمة كبرى.


يمكن تمييز تلك النوعية من الشخصيات عبر أربع سمات أساسية أوضحتها الدراسة، أولاها الحاجة لاعتراف الآخرين المستمر بأنهم مظلومون، والثانية أنهم يرون أنفسهم أخلاقياً أفضل من الآخرين، والثالثة أنهم لا يتعاطفون مع الآخرين، بل ينشغلون بألمهم لدرجة تقلل من قدرتهم على رؤية معاناة غيرهم، والرابعة الاجترار المستمر وإعادة التفكير في الإساءات القديمة دون القدرة على تجاوزها.


تأملت الخيط الرفيع بين «الضحية الحقيقية» و«عشاق دور الضحية» وأنا أستمع إلى قصة صديقة عزيزة إلى قلبي، بدأ نقاشنا بجملة حاسمة منها: «أنا لا أتعاطف مع من يتقمصون دور الضحية» أخبرتها أنني لا أفعل وأنني أمنحهم أعذاراً بلا حصر، لكنها كانت قاطعة وروت لي قصة موقف تعرضت خلاله لخذلان عميق، تسبب في ضياع مجهودها لسنوات طويلة، حتى إنه أصابها باكتئاب شديد، فكرت خلاله وللمرة الأولى في التخلص من حياتها، ورغم توفر كل الشهود من حولها، وكل الروايات التي دعمت رواية «الضحية» فإن تلك الصورة كان أكثر ما يؤذيها في القصة كلها.


اجتهدت صديقتي كي تنال ما ترى أنها تستحقه، كان المتوقع عقب كل ما بذلته أن تكون «بطلة»، لكنها فجأة تحولت إلى «ضحية» يشهد الجميع على تعرضها للظلم، حتى من ظلموها أنفسهم، ثم ما العمل؟ كانت تلك هي المعضلة التي ظلت تدور في فلكها لوقت غير قصير قبل أن تتخذ قرارها العظيم بأن تترك كل شيء خلفها، الوعود بالإصلاح، الشعور بالعجز، رثاء النفس، محاولات التعويض، كل شيء بالمعنى الحرفي لـ«كل شيء» وقررت أنها بحاجة لأن «تبدأ من جديد» كـ«بطلة» تجيد التحكم في التفاصيل من حولها، وتملك زمام أمور حياتها، وتلقى «ما تستحقه» حقاً.


لم يكن الأمر سهلاً على الإطلاق، لكن كلمة السر بحسبها كانت: «مابصيتش ورايا»، كم بدت لي تلك الجملة ملهمة، أعادتني إلى آية عظيمة في القرآن الكريم: «قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81)»، الفكرة ذاتها هنا، «ولا يلتفت منكم أحد»، حين يستنفد المرء أسبابه ومحاولاته يصير الرحيل فرض عين، وحين يتم الرحيل فإن شرط نجاحه الأساسي والأول، ألا ينظر أحد إلى الوراء مرة أخرى، صفحة تم تمزيقها، باب تم إغلاقه، نقطة نهاية وُضعت ليبدأ سطر جديد، ودائماً وأبداً «أليس الصبح بقريب».