تحية واجبة لمبادرة تخليد ذكرى شهداء معهد الأورام

كلما أتذكر الحادث الخسيس بتفجير معهد الأورام، أطرح على نفسي سؤالا: لماذا يختار هؤلاء الإرهابيون الأماكن التي تُنقذ الحياة؟ لماذا مستشفى؟ لماذا مكان يقف فيه الأطباء والممرضون يوميًا في مواجهة المرض والألم والموت، محاولين انتزاع فرصة جديدة للحياة لمرضى أنهكتهم أخطر أمراض العصر وأشدها فتكا وتدميرا؟

السؤال يبدو في ظاهره أمنيًا، لكنه في جوهره إنساني وفلسفي. لأن استهداف مستشفى ليس مجرد عملية قتل جماعي، بل محاولة لضرب معنى أعمق بكثير: فكرة الحياة نفسها.


المستشفى ليست مبنى عاديًا، بل رمز لفكرة المقاومة الإنسانية، داخلها يقف الإنسان أعزل تقريبًا إلا من العلم والإرادة والأمل، متحديًا المرض والألم واليأس، ما ذنب شاب "مقاتل" هده المرض، تساقط شعره وهو في قلب رحلة علاج قاسية، أو طفلة "بطلة" تسأل نفسها لماذا انقلبت حياتها رأسا على عقب أثناء تلقيها جرعة كيماوي، أو أم "جدعة" ترفع ذراعيها إلى السماء تناجي ربها بتضرع وبكاء، تتوسل برحمته في شفاء وحيدها.

ما ذنب طبيب يسهر بالساعات لإنقاذ مريضة مسنة أصرت على حب الحياة مع كل نفس يخرج منها، ما ذنب عاملة تجري على أسرة فقدت عائلها، لكن ثقل حملها لم يمنعها من أن تشارك بمحبة آلام ومعاناة أهالي المرضى، فتلبي احتياجاتهم وتعينهم على الانتظار.

كل هؤلاء ذهبوا بضغط زر أحياء عند ربهم.


كل هؤلاء يجسدون فكرة واحدة: أن المصريين مهما ثقلت متاعبهم، وتراكمت تحدياتهم، أبدا لا يستسلمون، ولا يبيعون دنياهم، ولا يقبلون بمن يتلاعب بدينهم، هم الظهر والسند لقوى محاربة الإرهاب، من الجيش والشرطة.


ولهذا تصبح المستشفيات هدفًا مثاليًا لعقل جماعة الإخوان الإرهابية.


جماعة الإخوان في جوهرها لا تؤمن بالحياة، بل بإخضاع البشر بالخوف، لا تريد مجتمعًا قويًا قادرًا على العلاج والبناء والتعليم، بل مجتمعًا منهكًا، يائسا، مقتنعًا بأن الموت أقوى من كل شيء، ولذلك فإن تفجير معهد الأورام يحمل رسالة رمزية خطيرة: «زراعة اليأس في نفوس المصريين؛ السبيل الوحيد للعودة للحكم»
لماذا اليأس بالنسبة للإرهابية هو الحل؟


لأن فكرة ضرب الأمان النفسي أهم من ضرب المنشأت، فالإنسان حين يشعر بقصف المدرسة، وتفجير المستشفى، وإحراق دور العبادة، سيبدأ تدريجيًا في فقدان ثقته بوطنه وبقدرته على حماية نفسه وأسرته، وهذه هي البيئة المثالية التي ينمو فيها الإرهاب: بيئة العجز والخوف والانكسار.


ولذلك ليس صدفة أن الجماعات المتطرفة عبر التاريخ غالبًا ما حاربت كل ما يمثل مقاومة للموت أو الجهل أو الفقر.


جماعة الإخوان حاربت كل مشروعات الدولة في مجال التعليم وسخرت منها، بدافع كراهية تحرير العقل، سفهت كل عمليات تطوير وتحديث القوة الناعمة المصرية خاصة الفن، لأنه يستعيد مكانة مصر، ويوسع توظيف الخيال لخدمة المجتمع، وعندما أنجزت الدولة المصرية تقدما كبيرا في مجال تطوير الخدمات الصحية وإقامة المدن الطبية العملاقة، والتوسع في مشروع التأمين الصحي الشامل، باعتبار أن هذا القطاع يمنح الإنسان فرصة للنجاة والاستمرار، قررت تفجير النموذج الأهم، وهو معهد الأورام، الذي يتردد عليه وحده، نحو 483 ألف مريض خلال عام 2025 فقط، وأجرى نحو 99 ألف جلسة علاج كيماوي وأكثر من 61 ألف جلسة علاج إشعاعي في عام واحد.


جماعة الاخوان بغض النظر عن جناح مسلح أو جناح قطبي متطرف أو جبهة كمالية تدعو للعنف؛ لا يهم، المهم عندهم أن تتوقف فكرة مقاومة الموت عند المصريين، وإذا أصر الشعب على الحياة، فلن يجدوا إلا سيارة مفخخة تقتل من فلت من مرض السرطان المميت.


هذه الفكرة الأساسية التي يجب ألا ننساها، وأن نتذكر دائما شهداء حادث تفجير معهد الأورام الارهابي، وكل حادث إرهابي.


إن مبادرة الزميلة «اليوم السابع» لتخليد ذكرى شهداء الإرهاب ليست فقط احتفاءً بأسماء رحلت، بل دفاع عن المعنى الذي حاول الإرهاب قتله، حين نتذكر الضحايا، فنحن لا نستعيد لحظات الألم فقط، بل نؤكد أن المجتمع يرفض أن تتحول الدماء إلى أرقام عابرة في نشرات الأخبار، الذاكرة هنا تصبح فعل مقاومة.
الجماعة الارهابية تراهن دائمًا على النسيان، تريد أن يتحول الضحايا إلى خبر قديم، وأن يتحول الخوف إلى أمر معتاد، وأن يألف الناس فكرة العنف حتى يفقدوا حساسيتهم تجاهه.


لكن الجماعة الوطنية تُخلَّد أسماء الشهداء، وتُروى قصصهم، ويُعاد تقديمهم بوصفهم بشرًا كانت لهم أحلام وأسر وحياة، فإن المجتمع ينتصر أخلاقيًا على الإرهاب، مثلما انتصر عسكريا بقوة وبسالة قواتنا المسلحة، ومثلما انتصر أمنيا بصلابة وحكمة أجهزتنا الأمنية.


الجماعة الإرهابية تفجر بضغطة زر، لكن الجماعة الوطنية تعيد البناء بأفضل مما كان.


الجماعة الإرهابية تقتل الطموح والأمل، لكن الجماعة الوطنية ترمم العزيمة، وتقاوم المرض، وتنقذ الحياة.


المعركة الحقيقية منذ البداية: بين من يريد للناس أن تخاف إلى الأبد، وبين من يريد للناس أن يعيشوا ويحيوا في وطن كريم.