«الحاجة أمينة».. فلسطينية نجت من «نكبة 48» في طفولتها وقتلتها المجاعة عجوزا في غزة

كتب: رؤى ممدوح

«الحاجة أمينة».. فلسطينية نجت من «نكبة 48» في طفولتها وقتلتها المجاعة عجوزا في غزة

«الحاجة أمينة».. فلسطينية نجت من «نكبة 48» في طفولتها وقتلتها المجاعة عجوزا في غزة

على سرير صغير صُنع من ألواح خشبية داخل خيمة نزوح خانقة في مواصي خان يونس، جنوب قطاع غزة، كانت الحاجة أمينة البابا، ممدة فوقه تستعيد آخر ما تبقى من ذاكرتها البعيدة، بيتها في مدينة اللد، عناقيد العنب التي كانت تتدلى في ساحة المنزل، ورائحة الحلوى التي حملت اسم المدينة التي لم تغادر حنينها منذ طفولتها الأولى، يحكي نجلها محمد البابا الذي لم يتمكن من وداعها وطبع قبلة أخيرة على جبينها البارد، إن والدته التي شارفت على التسعين من عمرها نجت في طفولتها من نكبة عام 1948، لكنها لم تنجُ من نكبة أخرى عاشتها غزة تحت الحرب والجوع والنزوح.

نزوح وتجويع

في صباح 15 أغسطس الماضي، لفظت الحاجة أمينة أنفاسها الأخيرة بجسد هزيل، عن عمر ناهز 89 عامًا، بعدما أنهكها الجوع وسوء التغذية ونقص الدواء والمياه غير الصالحة للشرب، خلال حرب الإبادة التي عاشها النازحون في قطاع غزة، ويقول نجلها الخمسيني: «أمي استشهدت بسبب المجاعة والتجويع اللي فرضه الاحتلال الإسرائيلي على غزة، الحرب ما كانتش بس قصف وقتل ودمار، كان فيه تجويع ممنهج ومنع للأكل والدواء وكل مقومات الحياة».

أمينة

أمينة

النكبة والتهجير القسري إلى غزة

تعود فصول القصة إلى النزوح الأول قبل 78 عاماً، حين هاجمت العصابات الصهيونية المدينة، وفي اليوم نفسه استشهد والد «أمينة» ذات الـ12 عاما وقتها، إذ كان يقاتل ضمن صفوف المقاومة، لتضطر والدتها إلى الهرب بأطفالها سيرًا على الأقدام نحو قطاع غزة، قبل أن تستقر الأسرة في مدينة رفح، أقصى جنوب القطاع، وعاشت «أمينة» عمرها هناك بين الأزقة والشوارع الضيقة والمنازل البسيطة، لكن الاجتياح الإسرائيلي الأخير أجبر العائلة على المغادرة إلى خان يونس، متنقلين من خيمة إلى أخرى أكثر من 5 مرات.

في كل محطة نزوح كانت العجوز تستعيد ذاكرتها القديمة عن النكبة الأولى، وتقارن بين ما عاشته كطفلة وما يعيشه الفلسطينيون اليوم: «كانت تقول دائمًا إن اللي بيصير اليوم أصعب من نكبة 48 لأن القتل صار من الجو بالطائرات والأسلحة المتطورة، وإن الإبادة الحالية أكثر تعقيدًا وإجرامًا، لكن بالنهاية بالنسبة إلها الاتنين كانوا نكبة»، ويروي «محمد» ما كانت تخبره به والدته طوال السنوات الماضية: «كانت تحكي كيف العصابات كانت تهاجم البيوت وتطلق النار على الناس، وكيف مشوا أيام طويلة وهم جوعانين وعطشانين وخايفين حتى يوصلوا غزة، كانوا يمشوا عشرات ومئات الكيلومترات على رجليهم».

الموت بسبب المجاعة والمرض

رغم مرور أكثر من 7 عقود على تهجيرها، لم تغادر اللد قلب «أمينة» أبدًا، إذ ظلت تحفظ تفاصيل مدينتها الصغيرة، بحر يافا القريب، وسوق «روبين» الذي كان الناس يذهبون إليه للتنزه والتخييم، وباعة الفلافل والسمسمية المنتشرين على الشاطئ، وكان أكثر ما يؤلمها بحسب نجلها، هي شجرة العنب التي تركتها خلفها في بيت العائلة في المدينة المحتلة: «كانت دائمًا تقول نفسي أرجع آكل من عنب بيتنا، وعشان هيك زرعنالها عنب في منزلنا برفح، لكن البيت نفسه اتدمر بالحرب والعنب راح معه»، وداخل خيمة النزوح، حاول أبناؤها وأخفادها توفير الحد الأدنى من الراحة لها، حيث صنعوا لها سريرًا صغيرًا من ألواح الخشب حتى لا تنام على الأرض، وأحضروا لها فراشًا بالكاد استطاعوا توفيره، لكن الحر والذباب وسوء التغذية أنهكوا جسدها العجوز، يقول «محمد»: «كانت تعاني بسبب المياه غير النظيفة ونقص الفيتامينات والأكل المفيد، جسم امرأة كبيرة بالعمر ما كانش يتحمل كل هاد. تعبت شهرين تقريبًا لحد ما استشهدت».

أمينة

وقبل وفاتها بأشهر غادر «محمد» قطاع غزة بعد ما يقرب من نصف عام عاشها في تحت القصف، بعدما حاول إقناع والدته بالسفر معه لتلقي العلاج لكنها رفضت مغادرة القطاع: «قلت لها يلا يا ماما تعالي معي، العلاج أحسن والحياة أحسن بره، ردت وقالت لي أنا هموت في غزة»، وحين توفيت الحاجة «أمينة» أصرت أسرتها على تشييعها رغم خطورة القصف وإطلاق النار، إذ حملوها على الأكتاف إلى مستشفى ناصر بخان يونس، وجرى تغسيلها واستخراج شهادة دفن تؤكد أنها شهيدة المجاعة، ومن هناك، ساروا بها إلى مقبرة مؤقتة، فيما كان بعض الأحفاد يسبقونهم لحفر القبر تحت الخطر: «كنت متابع معاهم على التليفون وخايف عليهم جدا، وقلت لهم يكفي شخصين يحملوها واثنين يحفروا القبر، لكنهم كلهم أصروا يودعوها»، قالها «محمد» وصوته يختنق بالبكاء.

أمينة

وحتى بعد دفنها لم تتوقف المعاناة، فعندما هدأت الأوضاع نسبيًا عاد أفراد العائلة للبحث عن قبرها بين المقابر المؤقتة التي اختفت معالمها بفعل القصف والدمار: «“اضطروا يمشوا على لوكيشين اللي بعتوه لبعض حتى يلاقوا القبر، وحطوا حجر وكتبوا اسمها عليه»، ويتابع: «رحلت أمي بعدما عاشت نكبتين، الأولى اقتلعتها طفلة من اللد، والثانية أنهكتها عجوزًا في خيمة نزوح بغزة».

شهداء المجاعة

كانت وزارة الصحة في غزة أعلنت أن مستويات المجاعة في القطاع تفاقمت إلى حدود خطرة وفق التصنيفات الأممية، إذ تم تسجيل 460 حالة وفاة جراء المجاعة وسوء التغذية، منهم 154 طفلا، فيما لا يزال 51196 طفلا دون سن الخامسة يعانون سوء التغذية الحاد.

إحصائيات النكبة

بحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فإن 957 ألف فلسطيني تم تشريدهم من أصل 1.4 مليون كانوا يقيمون في نحو 1,300 قرية ومدينة فلسطينية عام 1948، إلى الضفة الغربية وقطاع غزة والدول العربية المجاورة، فضلاً عن التهجير الداخلي للآلاف منهم داخل الأراضي التي خضعت لسيطرة الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1948، إذ سيطر على 774 قرية ومدينة فلسطينية، منها 531 تم تدميرها بالكامل، فيما تم إخضاع ما تبقى من تجمعات فلسطينية إلى كيان الاحتلال وقوانينه، وقد صاحب عملية التطهير هذه ارتكاب العصابات الصهيونية أكثر من 70 مجزرة بحق الفلسطينيين، أدت إلى استشهاد ما يزيد على 15 ألف فلسطيني.