«مكتبة عائلة غوشة».. أرشيف فلسطيني لحفظ ذاكرة النكبة: 7 عقود تقاوم النسيان

كتب: رؤى ممدوح

«مكتبة عائلة غوشة».. أرشيف فلسطيني لحفظ ذاكرة النكبة: 7 عقود تقاوم النسيان

«مكتبة عائلة غوشة».. أرشيف فلسطيني لحفظ ذاكرة النكبة: 7 عقود تقاوم النسيان

في زاوية هادئة من منزلٍ قديم يعود لعائلة «غوشة» في حي الشيخ جراح بالقدس المحتلة، تصطف خمس رفوف خشبية ضيقة، فهي ليست مكتبة فخمة، ولا تمتد جدرانها بآلاف الكتب، بل ركن صغير بالكاد يتجاوز عرض رفوفه مترًا ونصف، لكنه يحمل بين دفتيه كتبها تاريخًا كاملًا من النكبة والنضال والحلم العربي.

النكبة

النكبة

مكتبة عائلية تحكي الأرشيف الفلسطيني والعربي

وأمام المكتبة التي تجاوز عمرها السبعين عاماً تجلس السيدة الستينية رحاب غوشة، تتأمل أغلفة الكتب القديمة وقد غطاها الغبار الخفيف واصفرّت صفحات بعضها بفعل الزمن، تمرر يدها على الروايات والمجلات السياسية التي لا زالت في مكانها منذ عقود، تقول إن المكتبة لم تُنشأ لتكون كبيرة، بل كانت بمثابة خزانة معرفية وثقافية عائلية بسيطة جدًا، لكنها تحولت مع السنوات إلى أرشيف حيّ للذاكرة الفلسطينية، وتعود بداية الحكاية إلى سنوات ما بعد نكبة 1948، حين كانت القدس تعيش ارتجاجها الكبير، وتعاني العائلات الفلسطينية من آثار الاقتلاع والخسارة والخوف من ضياع الهوية، و في تلك الفترة كان شقيقها الدكتور صبحي غوشة يدرس الطب في الجامعة الأمريكية ببيروت، قبل أن يعود إلى القدس بعد تخرجه عام 1953 حاملًا الكتب إلى جانب شهادة الطب.

النكبةالنكبة

بناء المكتبة ودعم النضال

ومع ملامح التأسيس الأولى للمكتبة، فتقول إن شقيقها الراحل بدأ يجلب الكتب السياسية والمجلات الفكرية من بيروت والكويت، بينما كانوا هم أطفالًا ينتظرون بائع الصحف كل يوم جمعة أو أحد ليشتروا «مجلة ميكي» و«سمير»، وسط أجواء القدس المتوترة آنذاك، إذ كانت القراءة تسليتهم الوحيدة ونافذتهم الصغيرة على العالم، وشيئًا فشيئًا امتلأت الرفوف الصغيرة بكتب السياسة والتاريخ والروايات العالمية: «كان عنا مجلدات من كل الدنيا، مثلا إصدارات عديدة لمجلة العربي الكويتية، ونسخ قديمة من كتب الفكر القومي، وروايات أجاثا كريستي البوليسية، وأعمال ماكسيم غوركي والأدب الروسي الذي كان يحكي عن الفقراء والثورات والنضال الشعبي»، وتتابع: «بعض الكتب كانت أكبر من عمرنا واستيعابنا وما كنا نفهمها بالكامل، لكن كنا ندرك أنها تحمل معنى كبير، لأنها كانت كتب سياسية للتوعية».

النكبة

وتقول «رحاب» بينما تشير إلى رف تتكدس عليه طبعات قديمة اهترأت أطرافها من كثرة الاستخدام إن قرابة 70% من محتويات المكتبة تعود إلى الفترة التي شهدت صعود حركة القوميين العرب في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وذلك كون شقيقها «صبحي» المولود في حي الشيخ جراح عام 1929، هو أحد مؤسسي حركة القوميين العرب في فلسطين، وهي الحركة التي خرجت من رحم النكبة، بعدما رأى مؤسسوها أن هزيمة الفلسطينيين والعرب في ذلك العام كانت نتيجة الانقسام والضعف، ولهذا حملت كتب المكتبة الأولى أفكار القومية والتحرر والنضال، وتقول: «كنا بنشعر إنها محاولة مبكرة لترميم ما تهدم في الوعي العربي بعد النكبة من تشتت وانهيار»، لذلك تبدو الرفوف وكأنها توثق مرحلة كاملة من التاريخ السياسي الفلسطيني والعربي، ومن بين الكتب هناك نسخة قديمة من كتاب «التطبيق الاشتراكي في مصر»، ورواية «هذا هو الحب» ليوسف السباعي.

النكبة

كما تضمّ المكتبة نسخة من العشر الأخير من القرآن الكريم، والأجزاء الثلاثة «عمّ»، «تبارك»، و«قد سمع»، وهي مطبوعة على نفقة دار الأيتام الإسلامية الصناعية في بيت المقدس عام 1955، وقد دُقّقت من قبل الهيئة العالمية الإسلامية في المملكة الأردنية الهاشمية، وكان سعرها المدون عليها آنذاك 35 فلسا، وتتابع: «مع مرور أكثر من 7 عقود على النكبة، لا تزال المكتبة صامدة داخل بيتنا المقدسي التاريخي في حي الشيخ جراح العتيق رغم كل الاقتحامات والتهديدات ومحاولات التهويد وطمس هويتنا، وعاهدنا نفسنا إننا هنضل محافظين عليها حتى تبقى فلسطين وقضيتها حية بين الشعوب».