عمار الشريعي
عمار الشريعي هو إنسان وفنان ترك بصمته فى قلوبنا جميعاً بألحانه التى تستطيع أن تميزها بسهولة لجمالها ولعفويتها وعظمتها فى نفس الوقت.. ظهرت اهتماماته الموسيقية كما روى لى فى أحد لقاءاتى معه منذ أن كان طفلاً صغيراً ذا ثلاثة أعوام، حيث كانوا يجلسونه على البيانو ويعزف بصباع واحد أغنية يا دنيا اجرى بينا للفنانة الكبيرة ليلى مراد، وبعدها بدأ ارتباطه يكبر بالموسيقى وشجعته والدته -التى كان يعتبرها مخزناً للفلكلور الشعبى المصرى على حد تعبيره- على حبه للموسيقى، وعلى الرغم من عدم ميل والده للموسيقى، فإنه كان يشجعه بشكل كبير لتنمية موهبته.
وعلى الرغم من حبه الكبير للموسيقى، فإنه قرر عند دخوله الجامعة أن يدخل كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية وذلك لحبه اللغة الإنجليزية، فكان حبه للأشياء هو ما يحركه.
جمعتنى بالأستاذ عمار الشريعى علاقة حب واحترام وتقدير له ولفنه، ولعشقى لفنه ذهبت له عندما كنت أقوم بعمل مشروع التخرج الخاص بى بالمعهد العالى للسينما وحكيت له عن مشروع التخرج الخاص بى وقصته وأعجب به جداً وكانت موسيقاه التصويرية وألحانه إضافة كبيرة لمشروع تخرجى. كما جمعنى به أيضاً مسلسل «رأفت الهجان»، حيث كنت أعمل مساعد مخرج للمخرج الكبير يحيى العلمى وكان الأستاذ عمار الشريعى هو مَن سيقوم بوضع الموسيقى الخاصة بالعمل.. وأذكر جيداً تلك الأيام حينما بدأنا التصوير بعد أيام طويلة من الإعداد الشديد من العمل هنا وهناك، الإنتاج يعمل بقوة، والجميع يعمل، وتصميم الملابس، وكان الأستاذ عمار الشريعى يبحث عن تيمة جديدة يقدم بها موسيقى مسلسل «رأفت الهجان» وعندما وجدها قال: «وجدتها وجدتها»، وكنت فى ذلك الوقت موجوداً فى منزله فى شارع الحسين بالدقى.
وأصبحت موسيقى المسلسل بطلاً من أبطال العمل الفنى، فموسيقى مسلسل رأفت الهجان التى أبدعها الموسيقار الكبير عمار الشريعى أصبحت جزءاً لا يتجزأ من العمل نفسه وفى أى وقت تعزف تجدها تشحذ الحس الوطنى لدى المستمع. وفى أحد لقاءاتى مع الموسيقار الكبير عمار الشريعى أكد على هذه النقطة فقال إن شخصاً قال له: «عندما أسمع موسيقى رأفت الهجان بحس إنى بحب بلدى»، وبالفعل فموسيقى المسلسل دغدغت حواسنا وألهبت مشاعرنا وترجمت هذه الموسيقى ما تفيض به مشاعرنا من حب لهذا الوطن.. وكان ذلك حال الموسيقى التى يقدمها الموسيقار العظيم عمار الشريعى فى أى عمل فنى تجدها جزءاً لا يتجزأ من العمل وبطلاً من أبطاله، فمن منا ينسى موسيقى أرابيسك أو زيزينيا أو حديث الصباح والمساء أو الرحايا؟ وقال لى الأستاذ عمار الشريعى وكان وقتها يلحن موسيقى مسلسل الرحايا: إن الموسيقى الخاصة به بطل حقيقى من أبطال المسلسل، وأؤكد لك أن بعد خمس سنين لو دارت هذه الموسيقى فى أى وقت سيتذكر الناس الحاج محمد أبودياب، بطل الرحايا.
وأتذكر حوارى معه عن عمل من أهم أعماله الفنية والأقرب لقلبه ولقلوبنا جميعاً وهو مسلسل «أم كلثوم»، وكان ذلك المسلسل من أقرب المسلسلات لقلب والدى ممدوح الليثى، رحمه الله، التى قام بإنتاجها أثناء توليه رئاسة قطاع الإنتاج. وأتذكر عندما طلب والدى المنتج والسيناريست الكبير ممدوح الليثى من الكاتب الكبير محفوظ عبدالرحمن أن يكتب عملاً تليفزيونياً عن أم كلثوم، فكتب مسلسل أم كلثوم فى 38 حلقة. ومثلما أبدع كاتبنا الكبير محفوظ عبدالرحمن فى تأليف المسلسل أبدع كذلك الموسيقار الكبير عمار الشريعى فى موسيقى المسلسل، وحكى لى الموسيقار عمار الشريعى كيف عمل تتر مسلسل أم كلثوم، فقال: «كنا نعمل فى المسلسل منذ سنتين ومش عارف أعمل إيه فى التتر ويوم وأنا نايم سمعته زى مانا سمعتهولكم بالضبط، كأنى بسجله.
قمت من النوم ووضعت ريكوردر جنبى، ودى كانت نصيحة الأستاذ عبدالوهاب الله يرحمه لى، قال لى دايماً خلى ريكوردر جنبك أو فى جيبك فى أى وقت من الأوقات جاتلك جملة حلوة سجلها.. الواحد يا عمار ممكن جداً ما يقابلش الجملة الحلوة إلا مرة واحدة.. وكانت دى جملته دائماً.. وبالفعل أول ما صحيت من النوم قلت هابتدى التتر برضاك يا خالقى وبعدين أدخل على ذكريات وبعدين رق الحبيب وهكذا بترتيب التتر زى ما سمعتوه، والساعة 10 صباحاً لما قمت من النوم اتصلت بالأستاذة إنعام وقلت لها خلاص خلاص ما تقلقيش تتر أم كلثوم وصل»، هكذا كان يعمل هذا الموسيقار الكبير الذى يظل يبحث ويبحث عن أفكاره الموسيقية حتى يسمعها فى داخله أولاً ليمتعنا بما يصدره من ألحان بعد ذلك.
وكان هذا ما حدث معه أثناء فيلم «البرىء» الذى قال عنه لى إنه من أعجب الأفلام التى صادفته فى حياته، فعندما ذهب ليراه فى العرض الخاص كان معه الأستاذ وحيد حامد والأستاذ عاطف الطيب، رحمه الله، والأستاذ صفوت غطاس، منتج الفيلم، وكان الأستاذ وحيد والأستاذ عاطف يحكيان له لما تكون فيه مناظر بدون حوارات أو نقلات مهتم بها الأستاذ عاطف، فتأثر أوى بالفيلم وانفعل به انفعالاً شديداً وقال لى: «كنت فاكر نفسى هاروح أكسر الدنيا، أنا متعود لما أنفعل أطلع مزيكا وروحت ولاقيت مفيش مزيكا راضية تطلع خالص.. أشتغل أى حاجة تانية إلا البرىء، أفكر فيه ألاقى جمل مكررة وسخيفة وساذجة، وفات عليّا ست شهور مش عارف أشتغل حاجة فيه وفى ليلة بالليل لاقيت مزيكا البرىء قدامى، لاقيتنى بسمعها روحت قايم طالب الأستاذ عاطف الطيب الساعة الثالثة صباحاً صحيته من النوم قلت له اطمن اطمن، احجز بكرة مكساج البرىء. وقلت فى نفسى إيه اللى انا بقوله ده الله أعلم لكن كان قدامى المزيكا وشايفها».
واتصل بالأستاذ نبيل كمال المايسترو الكبير وكان هو من يكتب له النوت الموسيقية وقتها وجاء له الأستاذ نبيل الساعة الثالثة والنصف صباحاً وخلصوا الموسيقى التصويرية فى ست ساعات، وهذا أمر صعب بالطبع ولكنها كانت حالة تدفق شديد فى الأفكار التى ظلت تسارع للخروج من رأسه لمدة ستة شهور كاملة.. واتصل بعدها بالمايسترو الكبير حمادة نادى، رحمه الله، وطلب أن تأتى له الفرقة الساعة 12 ظهراً بالاستوديو، وانتهوا من تسجيل الموسيقى التصويرية لفيلم البرىء الساعة التاسعة مساء بعد ستة شهور من العناء.