ناصر عبد الرحمن في حوار «حراس الهوية»: الذاكرة المصرية «خزّان حضاري» لن يفرغ أبدا

كتب: أحمد عاطف

ناصر عبد الرحمن في حوار «حراس الهوية»: الذاكرة المصرية «خزّان حضاري» لن يفرغ أبدا

ناصر عبد الرحمن في حوار «حراس الهوية»: الذاكرة المصرية «خزّان حضاري» لن يفرغ أبدا

لا يخفى على من يتابع تجربة الكاتب والسيناريست ناصر عبد الرحمن، الحضور الكبير للشخصية المصرية في أعماله الفنية وكتاباته. حضور لم يأتِ من فراغ، ومصادره الأولية هي اعتزازه بجذوره الجنوبية «قرية الكوامل بسوهاج» وانتقال جدوده للمعيشة في القاهرة، ونشأته في حي «روض الفرج» بشبرا ودكان والده وأعمامه في حي الجمالية، واختلاطه بمجتمع السوق والحى الشعبي بمكوناته الفريدة والعجيبة.. «ناس حقيقية» من طين البلد تحكي قصصها في أعمال ناصر عبد الرحمن، وليست من بنات أفكاره أو شطحات في خياله.. كل حكاية يرويها في أعماله تشبع بها أولًا وأحسّ بها وصدّقها ثم نقلها إلى «الورق» لتعرف طريقها إلى الشاشة.

في مشواره الإبداعي، لا يفصل السيناريست الكبير بين كتابة السيناريو والكتابة الحُرة، بعد 10 أفلام مهمة قدم فيها الشخصية المصرية «بعبلها»، حرص في المقابل على أن يكون مشروعه في الكتابة الحُرة مرتبطًا بالشخصية المصرية، التأصيل لها والدفاع عنها والتحذير من المخاطر التي تهددها، وفي هذا السياق جاء كتابه «عن الشخصية المصرية» الذي صدرت منه طبعة ثانية مؤخرًا.

صاحب «كف القمر وهي فوضى وحين ميسرة والمدينة وجبل الحلال وستهم»، وصاحب مؤلفات «الولد سر أبيه وصباح العاشقين وآخر نفس»، تنقل في حديثه برشاقة بين تناوله لهموم وتحديات الشخصية المصرية في أعماله الفنية، وكتاباته عنها في مؤلفاته، انتهاء بكتابه المهم «عن الشخصية المصرية».

عن الشخصية المصرية وتراجع الوعي بها عند كُتاب اليوم، وتحديات الكتابة في زمن السوشيال ميديا والذكاء الاصطناعي وورش الكتابة، دار هذا الحوار مع الكاتب والسيناريست ناصر عبد الرحمن، ضمن سلسلة حوارات «حراس الهوية».

* تحذر دومًا في كتاباتك وأحاديثك الإعلامية ولقاءاتك مع القراء من «الحرب على الذاكرة المصرية» خصوصًا في كتابك الأخير «عن الشخصية المصرية».. لماذا تُستهدف الهوية المصرية في «الذاكرة» بصورة أكبر من استهدافها في أي ملمح آخر لها؟

الذاكرة المصرية منذ عصر الحضارة المصرية القديمة حتى يوم القيامة، تمتلئ كالخزان ولا تفرغ أبدًا، والمصريون يعون أن هذه الذاكرة أو «الخزان الحضاري للقيم والخبرة» هو سر العداء الشديد لمصر، وباقي أسباب العداء تالية له.. ذاكرة مصر يعني «الجذور والأرض والنيل والتراب والآثار والأماكن».. وإذا ضاعت هذه الذاكرة أصبحت مصر والمصريون مثل أى بلد أو أى شعب آخر بلا حضارة أو حديث العهد بها.

الفرق بيني كناصر عبد الرحمن أو كمواطن مصري وبين أى أحد آخر غير مصري، أننا عندنا تجارب إنسانية، الفضل فيها يرجع للذاكرة المصرية، أنا مثلًا عشت حياتي في روض الفرج وقعدت جنب ستي ورحت مع أبويا الدكان عند سيدنا الحُسين بشارع الصنادقية في الجمالية وشُفت بعيني الناس والتجار والعمال كيف يتعاملون في التجارة والحياة، بخلاف جذوري الجنوبية.. دي ذاكرتي الإنسانية وذاكرة الناس الذين عاشرتهم وصادفتهم في حياتي، وفيه ذاكرة أخرى اطلعت عليها من الفن ومن الكُتاب الذين قرأنا لهم مثل نجيب محفوظ وفؤاد زكريا وغيرهما.. كل هذه المكونات شكلت «عجينة مصرية» شديدة الصعوبة. التخزين ملمح أصيل فى الشخصية المصرية، ولولاه ما ورثنا ذاكرة خالدة مستقرة، ولما وصلتنا حضارة وتاريخ أجدادنا.. وأيضًا جغرافيا مصر خزان لذاكرة الأماكن والطبيعة.. الجبال والأودية والمعابد ودور العبادة وغيرها.. كل دي ذاكرة حية.

0

* ماذا يقلقك على الذاكرة والهوية والشخصية المصرية اليوم؟

أكثر ما يقلقني على الشخصية المصرية هو وعي الآخر بقيمة الذاكرة المصرية، وهذا ما يدفعه إلى أنه يهز كل حاجة ثابتة في الذاكرة المصرية ويركز على الجوانب التي نهملها نحن في الشخصية والهوية المصرية في غفلة منا.. مثال ذلك لما أدخل معهد السينما الذي أُدرّس فيه وأجد الصور على طول الجدران للممثلين فقط مثل سعاد حسني وهند رستم وفاتن حمامة، على عيني وراسي، لكن فين صور عباقرة الديكور والسيناريو والإخراج والتأليف والصوت والإنتاج؟ وبالتالي نحن نشارك دون أن ندري في تغييب نماذج كثيرة ومهمة أضافوا لذاكرة مصر وملأوها بجهدهم وإبداعهم، وكل ما أتمناه أن نحافظ على الذاكرة المصرية.

أكثر ما يقلقني على الشخصية المصرية هو وعي الآخر بها وإهمالنا لها في لحظات من الغفلة

الشخصية المصرية عبقرية وجديرة بأننا نكون فخورين بها وليس «الأرننة» أو الاستعراض بها، وإذا تصادف أنني أقدم شخصية طيبة مثل شخصية «شحاتة» ووالده في «دكان شحاتة»، والبعض يتعجب «معقول فيه شخصية طيبة كدا»، كنت أرد عليهم وأقول «أيوا المصري عنده الحتة دي كويس أوي ولو محافظناش عليها ونقدمها كنماذج إيجابية أو في سياق درامي وسينمائي نبقى مقصرين في حق نفسنا».. الطيبة نفسها نجدها عندما يمسك الناس بحرامي في الشارع، في أوقات كثيرة يعاقبونه على ما فعله ويعرفون حكايته ودوافعه للسرقة، وبعدها يتعاطفون معه وربما يأكّلوه لو جائع ويدعون له بالهداية ويتركونه يذهب لحال سبيله.. هذه صورة لطيبة المصريين.. ولو اتصرفنا بقسوة في مثل هذه الظروف وعملنا إقصاء سنُسقط جزءًا من ذاكرتنا وستتأثر الشخصية المصرية بشدة.

لا أخترع الشخصيات في أعمالي الفنية وأقدم «ناس حقيقية بعبلهم» من واقع تجربتي في الحياة

أنا أيضًا سواء في كتبي أو أفلامي أو مسلسلاتي لا أخترع الشخصيات، بل أقدم «ناس حقيقية» من واقع تجربتي الإنسانية في الحياة، أقدمهم «بعبلهم»، ومثلما أقدم الجوانب الإيجابية والأصيلة في الشخصية المصرية، أشير أيضًا للجوانب السلبية لكن في سياقها الدرامي، الشخصية المصرية «زي ما فيها الطيبة والجدعنة، فيها التواطؤ والإنكار والسلبية والمداهنة» لكن هذه الصفات اكتسبتها في إطار المرونة والمقاومة والرغبة في البقاء والاستمرار.

0

* ماذا ينقص كاتب السيناريو اليوم ليكون أكثر وعيًا بالشخصية والهوية المصرية؟

ينقص الكاتب اليوم وعيه بتجربته هو.. التجربة الشخصية والإنسانية الخاصة به، الكاتب من المفروض أن عنده تجربة وذاكرة ومخزونًا وخيالًا ورؤية تسمح له أن يقدم أعمالًا حقيقية.

الذكاء الاصطناعي يعمل بنفس طريقة عمل ورش السيناريو، والحمد لله أنني لم ألجأ إلى أي من الطريقتين في شغلي حتى اليوم.

كاتب السيناريو هو نفسه الحدوتة، قبل ما يكتب حدوتة سمعها أو مطلوبة منه، أي كاتب يتصدى لحكاية أو شخصية لازم يعيش تجربته معاها، ثم تخرج الحكاية منه وهو مصدقها وبالتالي الناس تصدقها، وهذا ما يمنح كل كاتب بصمة ولونًا ونمطًا مختلفًا عن الآخر.

أتمنى من كل من يجيد الكتابة والإبداع أن يطلق لفكره وخياله العنان ليسهم في امتلاء خزان الذاكرة المصرية

وأتمنى من كل من يجيد الكتابة والإبداع أن يطلق لفكره وخياله العنان ليسهم في امتلاء خزان الذاكرة والهوية والشخصية المصرية، حتى تظل متألقة وقوية دائمًا، والأهم أننا كجمهور ومجتمع نقدر ونحب نماذج المبدعين الذين يسهمون في إنعاش ذاكرتنا، عمار الشريعي مثلًا ساهم في الذاكرة الموسيقية المصرية، والبرنامج الوثائقي الإذاعي «غواص في بحر النغم» كما في نفس أهمية ألحانه، فلازم نحبه ونقدره، عندنا مثلًا نموذج المترجم الرائع محمد عناني، هذا الرجل ساهم في توعيتنا أثناء الدراسة في معهد السينما أن الترجمة ليست محوًا للشخصية المصرية، لكنها فن عظيم، وقدّم لنا شكسبير وغيره بلغتنا العربية.. فلازم نقدر تجربته ونحبه.

* كيف ترى تأثير الذكاء الاصطناعي على كتابة السيناريو والإبداع عمومًا وما التحديات التي يفرضها عليه؟

أقول دومًا إنه طالما كان الإبداع البشري حقيقيًا وصادقًا فلا خوف عليه من الذكاء الاصطناعي أو السوشيال ميديا، لأنهما يعتمدان على الماضي وعلى المدخلات السابقة التي نقدمها له، لكن الإبداع البشري قائم على الخيال واستشراف المستقبل. وكتابة السيناريو الحقيقية تتميز عن الذكاء الاصطناعي بفكرة التعلم من الخطأ البشري وتطوير التجارب بالتجربة والخطأ.

لكن فيه جانب آخر خطير للذكاء الاصطناعي، هو تأثيره السلبي على المبدع ودفعه للإحباط، وهنا دور المجتمع أنه يحمي المبدع ويقدره ويؤمن به وبقدراته وبما يفعله، حتى يمنحه القدرة على الاستمرار والإبداع، ونفرّحه بكونه مبدعًا، ربنا عز وجل يقول «فبذلك فليفرحوا».. والأهم أننا لا نتصادم كمبدعين.. نتنافس ونتكامل، مثلما كان يفعل بشير الديك ووحيد حامد ومحسن زايد وغيرهم، كان كل مبدع منهم يعلم المشروع الذي يعمل عليه الآخر ويفرح به ويسهم في نجاحه لأنه نجاح للجميع.

التدفق الإخباري بالمعلومة والصورة يضع الكاتب أمام تحدٍّ «تجاوز الحاضر» وتقديم رؤية لتأثيره على المستقبل

الأمر الأخطر الذي يجب أن يحذر منه المبدع، هو التدفق الإخباري بالمعلومة والصورة، وهذا بدأ من التسعينات، التليفزيون نقل لنا حرب تحرير الكويت، وبعدها في 2003 شاهدنا على الهواء غزو العراق، وبعدها الثورات في الدول العربية، ومؤخرًا العدوان على غزة وحرب أمريكا وإيران. أي مبدع لن يضع امتلاء الذاكرة بهذه المشاهد المباشرة في اعتباره سيسقط في الامتحان، وسيجد نفسه يقدم ما سبق للمشاهد أن رآه في نشرات الأخبار والتغطيات التليفزيونية للأحداث، وهذا تم في أعمال فنية ولم تنجح لهذا السبب، المبدع عليه أن يتجاوز الحاضر والأحداث، ويقدم رؤية أخرى لما بعده ولنتائجه وتأثيراته في المستقبل من خلال الحكاية والتجربة الإنسانية، وليس بصورة مباشرة، وإذا لم يفعل ذلك سيكون عمله مشابهًا لما يقدمه الذكاء الاصطناعي تمامًا.

* الشخصية المصرية تعرضت لحملات تجريف كبرى بغرض تشويهها ومحو ذاكرتها.. اليوم امتد هذا التجريف للنخبة من خلال مهرجانات ومسابقات وإغراء بالشهرة والمال.. كيف تتابع ذلك؟

الإغراء يتم بالفلوس.. دا واضح جدًا ومعلن.. لكن مهم نعرف إن الهوية المصرية يتم انتهاكها منذ عشرات السنين، في الثلاثينات مثلًا نرى هذا التشويه في مجلة الموعد وفي صنع أفلام أمريكية مسيئة للشخصية المصرية، وفي الأربعينات أو الخمسينات أفلام تسيء للمرأة المصرية وتُظهرها لعوبًا وراقصة مقابل شخصية يهودية شبه مثالية في نفس العمل الفني.

والسينما لأنها أداة عظيمة ومرتبطة بالناس ومؤثرة، الأمريكان يقدمون من خلالها أفلامًا وعينهم على بلدنا ومجتمعنا وشخصيتنا، أمريكا تنتج 15 فيلمًا في السنة، بمعدل فيلم شهريًا، وتقدم فيها مجتمعها وهويتها هي التي تحاول صنعها وترويجها، وليكون الممثل الأمريكي في مجتمعنا أكثر شهرة من المصري والعربي.

الهوية المصرية مستهدفة منذ عشرات السنين بأفلام تسيء لها.. والأمريكان يدركون خطورة السينما وتأثيرها على الشعوب

هذا النهج تم تنفيذه بالتدريج منذ الثلاثينات، وبعد انتصار أكتوبر 1973 وفي سنة 1977 تحديدًا تم ضخ أموال رهيبة جدًا لصنع هوية مصرية موازية، كانوا يدفعون أموالًا لـ10 منتجين من بين 15 منتجًا في مصر لإنتاج «أفلام مقاولات» لكي يتم بثها في القنوات الفضائية الخاصة الجديدة، كان المنتج يحصل على فلوسه من القناة، مقابل «النيجاتيف»، قبل عرض الفيلم أساسًا.

الأخطر والأهم من ذلك هو ضياع واختفاء «نيجاتيف» الأعمال الفنية.. السينما المصرية أنتجت من 5 آلاف إلى 7 آلاف فيلم، النيجاتيف الموجود منها 200 فيلم فقط يُعاد تدويرها وعرضها، ما يعني تدمير ومحو حوالي 3 آلاف فيلم على الأقل.. ونفس الأمر حدث في الفترة من 2005 إلى 2011 مع حفلات أم كلثوم ومباريات كرة قدم ومهرجانات وأحداث مهمة، لذلك ضاع كثير من ميراث فنانين ومخرجين عظام، ومُحزن جدًا أننا لا نعرف الأعمال المختفية لـ«عز الدين ذو الفقار» ولا نعرف لهنري بركات غير «الحرام» و«دعاء الكروان»، ولا نعرف لكمال الشيخ غير «المنزل رقم 13»، ولا نعرف شيئا عن أعمال محمد بيومي الذي قدّم فيلمًا روائيًا سنة 1923 ولا نعرف شيئًا عن فيلم عباس حلمي الذي تم تصويره سينما، فيه أفلام مصرية يابانية وأفلام مصرية أوروبية، لماذا حدث هذا الاختفاء؟ لكي يتم محو جزء مهم من الذاكرة المصرية.

* الفنان أو المخرج الذي تصله دعوة ويجد نفسه «متنجم» في مسابقات ومهرجانات فنية وترفيهية ويجد الشهرة والمال.. هو عاوز إيه غير كدا! وهيفكر في الشخصية والهوية المصرية ليه؟

لم يُدع كاتب أو فنان مصري يقدم أعمالًا حقيقية ومصرية لمثل هذه المهرجانات إطلاقًا، ولا يسافر لها ويحصل على أموال منها إلا من يقبل أن يعمل في اتجاه مضاد ويسمع كلام صاحب المنحة، لكن عيبنا هنا في مصر أننا لا نستفيد من كُتابنا الحقيقيين والفنانين المهمين، ويتم تجاهلهم، بينما نحن نحتاج بشدة إلى إبداعهم وأنهم يتنافسون ويقدمون أفضل ما عندهم. أنا كنت في الأقصر وعُرض عليّ 30 سيناريو اكتشفت منها 5 سيناريوهات مكتوبة بطريقة احترافية تصلح لإنتاجها اليوم.. وأنا رأيت وحيد حامد وبشير الديك ومحسن زايد بيشتغلوا جنب بعض.. وجاء بعدهم هاني فوزي ومصطفى ذكري وأحمد عبدالله، الله يرحمه، ثم دخلنا في مرحلة «ورش الكتابة».

0

لم يُدع كاتب أو فنان مصري «حقيقي» لمهرجانات «الشهرة والمال».. ولا يشارك إلا من يسمع كلام صاحب المنحة

منذ سنوات فكرت في تقديم فيلم عن النوبة اسمه «الأرض» بالنوبي وأتناول فيه فترة أول خزان والتهجير الأول وكان إنسانيًا بديعًا وكله خيال، وسمعت نصيحة وقتها أن هذا النوع من الأعمال غير مطلوب، فتراجعت عنه.. ولما يحدث هذا، نُفاجأ بصيحات قادمة، إفريقيا مثلًا تقول إن النوبة إفريقية مش مصرية وكيلوباترا تُقدم لنا على أنها «سوداء»، وبالتالي «إحنا لازم نعمل موضوعاتنا من غير خوف لأنه لو ماعملتش غيرك خلاص عمل».

* في زمن «ورش الكتابة».. كيف يمكن استعادة قيمة كاتب السيناريو ومكانته في الأعمال الفنية؟

الحمد لله، لم أشارك في أي «ورشة كتابة» لأني أرفض الفكرة أساسًا وأعتبرها فاشلة لأنها قائمة على شخص يدير الورشة ومعه المشاركون في الكتابة، ومن يدير أغلب الورش ليس «سيناريست»، وأي حد مشارك في الورشة يقول له أي حاجة تعجبه يكتبها في السيناريو، فوجهة النظر والرؤية تائهة وغير موجودة، والأهم أن الورش تسببت في انعدام الثقة في الكاتب أو في شُغل «الهاند ميد».

الكتابة «الهاند ميد» الحقيقية، مثل كتابة الأستاذ وحيد حامد كانت تضع العمل الفني في مكانة خاصة، فهو الوحيد مثلًا الذي كان يُكتب على أفيشات أفلامه «فيلم لوحيد حامد». ليه؟ لأنه وهو يكتب كان المخرج والمنتج والممثل على ثقة كاملة في فكرة الكاتب.. لكن الكاتب اليوم تراجعت أسهمه أولًا مع المنتج ثم المخرج ثم الممثل.

أنا التقيت ممثلًا جديدًا، وكنت أهنئه على مسلسل له، ففاجأني بالقول: أنا تعبت جدًا في الكتابة. أفزعني كلامه، لأنه عدى فكرة الورشة، وأصبحوا يأخذون منتج الورشة وكل ممثل يعدل فيه ما يريد، وهذه ثقة زائدة في الممثل على حساب النص والكاتب كفيلة أن تدمر العمل والفريق كله، والأهم أن هذه الظاهرة تعبر عن الخوف من الكاتب وقصقصة ريشه وعدم الثقة فيه.

* ماذا وراء فكرة القلق من الكاتب إلى هذه الدرجة؟

نحن جميعًا نعلم أن هناك توجهات عامة وأي عمل لنا معروف أنه سيمر على الرقابة، والكاتب -كما قال محسن زايد- عنده فلترة ذاتية ووعي، ويعرف أن عمله سيراه الناس. حتى في أوروبا وأمريكا التوجيه موجود.. كلنا في مركب واحد «الجمهور والكتاب والمخرجون والممثلون والسياسيون» و«الكاتب لازم يعرف فيه إيه عشان يشوف هيقدر يعمل إيه».. وفي نفس الوقت عندما لا تكون هناك ثقة في الكاتب، الممثل هو الذي سيقود العمل وأيضًا يكون هو «الأفيش»، وندخل في حالة اسمها «سطوة النجم» وأنا أقول هذا عن تجربة، لما أحد الممثلين غيّر لي «فينالة» عمل فني رغمًا عني وعن المنتج.

يوسف شاهين كان يعرض السيناريو على عمال مكتبه.. وكان يقول «يوم ما السيناريو خلص.. الفيلم خلص»

في 2010 فزت على 320 مشاركًا من مختلف دول العالم في مسابقة للاتحاد الأوروبي، ولم يتم إنتاج السيناريو الخاص بي لأنه كان مكلفًا، وكان معيار المسابقة هو مدى تعارض السيناريوهات المقدمة مع سياسات وتوجهات الاتحاد الأوروبي من عدمه. وعلمت أن الأستاذ يوسف شاهين كان يعرض سيناريوهات أعماله على العاملين البسطاء في مكتبه قبل أن يقدمها للمنتج، حتى يعرف منهم ملاحظاتهم على العمل، باعتبارهم شريحة من الجمهور، ولا أنسى أثناء العمل في فيلم «هي فوضى» يوم أن رفع يوسف شاهين السيناريو في إعجاب وقال: يوم ما السيناريو خلص.. الفيلم خلص، كان يضحك كلما أحكي له مشهدًا وهو يهز رأسه يطلب كتابته ويقول: لا أعترف إلا بالمشهد المكتوب. أقصد من ذلك أن السيناريو كان هو بطل العمل وهذا ما نريد استعادته.

0

* ما العمل الذي يُلح عليك دومًا وترغب في تقديمه؟

أنا لديّ رغبة شديدة قُلتها للمنتج محمد ياسين سألني مرة «إيه العمل اللي نفسك تعمله؟»، قلت له: عمل عن «مسجد الروضة» الذي فجّره الإرهابيون وراح ضحيته 312 شهيدًا، وأقول فيه إن أهل سيناء تجاوزوا الحدث وداووا جراحهم وقاوموا الإرهاب وعملوا «انقلاب درامي» في حياتهم نسف فكرة الإرهاب وما كان يريده في سيناء من تأليب الناس ودفعهم للانفجار.. عمل مثل هذا «عُمره ما يخوف.. اللي يخوف هو إنه ما يتعملش» طالما دوافع العمل وطنية ومصرية وإنسانية.

أتمنى تقديم عمل فني عن «مسجد الروضة».. وسيناء تسكن مخيلة أي كاتب جاد ومستقرة في الوعي العام للمصريين

سيناء تسكن مخيلة أي كاتب جاد، ومستقرة في الوعي العام للمصريين، ومثال ذلك أنني لما قدمت مسلسل «جبل الحلال» الناس قالوا إنه عن جبل الحلال في سيناء، بينما العمل كان عن الحلال والحرام، واهتمام المصريين بسيناء لم يتم ترجمته في أعمال فنية تتجاوز تناول سيناء سياحيًا، لكن لا توجد أعمال عن تراث سيناء وتاريخها ولا حاضرها والقضاء على الإرهاب فيها والتنمية التي تشهدها وتغير وجه الحياة فيها.

* أعلم أن لديك وجهة نظر ونية لتقديم عمل فني حول الجنسيات غير المصرية المقيمة في مصر، بسبب أزمات في بلادها أو حبًا في مصر.. أطلعنا على هذه الرؤية

الغريب يأتي لمصر مُحبًا أو بسبب أزمة في بلده، ويعيش فيها معيشة أفضل من معيشة المصريين أنفسهم، لأنه «له كل شيء وليس عليه أي شيء»، ولذلك أنا أقول دائمًا «مصر أرض الغرباء»، والأهم أن كثيرًا من هؤلاء الغرباء ذابوا في المجتمع المصري، وكان لهم أثر كبير في الفن والثقافة المصرية، وردة الجزائرية وفايزة السورية وستيفان روستي وجورج أبيض وغيرهم كثير.. وبمجرد أن تسمع صوتًا يفرق بين المصريين والغرباء المقيمين فيها تفهم أن هناك من يريد التأثير على الذاكرة المصرية.

أنا نشأت في شارع عويس البحيري في روض الفرج ثم انتقلنا لحارة الشيخ مصطفى، وكان عندي 6 سنين، وما زلت أتذكر «عمي حسين السوري» الذي كان متزوجًا من مصرية عندما جاء لمصر بعد الوحدة مع سوريا ولم يغادرها حتى دُفن فيها.

وأتمنى بالطبع تقديم عمل فني حول حياة المقيمين في مصر ممن يحملون الجنسيات غير المصرية واندماجهم في حياة المصريين بشكل كبير.