ناصر عبدالرحمن يكتب: شاهين بحر الصور

كتب: محرر

ناصر عبدالرحمن يكتب: شاهين بحر الصور

ناصر عبدالرحمن يكتب: شاهين بحر الصور

«شاهين عايز يشوفك».. تليفون من جابي خوري. فى العاشرة صباحاً في مكتب شاهين.. خرجت من كورنيش روض الفرج في اتجاه شارع شامبليون.. يوم غير كل يوم، اليوم الأحد شهر أبريل 2005.. تجاوزت نقابة الصحفيين وتوقفت أمام عمارة الشركة.. لا يدور في ذهنى سوى أول مرة قابلنا فيها شاهين، كان عام 1991.. كنت جالساً على سلالم معهد السينما أنتظر قدوم شاهين.. يخرج شاهين من سيارته (سيارته بيجو).. يشق طريقه فى رشاقة وحضور، أحاول أن أتأمل وجهه، هذا هو شاهين الذي طالما سمعنا عنه، قررت السير خلفه.

1يختفي شاهين داخل قاعة 16، دخلت خلفه القاعة، كان يدرس لدفعة رابعة إخراج.. يتحدث عن مشروعه التسجيلى الدرامي (القاهرة منورة بأهلها)، ويطلب من كل طالب تصوره في مشهد يصف فيه القاهرة.. ورغم كوني في السنة الأولى، وغير مطلوب مني شىء، لكن اجتهدت حتى أستطيع كتابة مشهد يصور القاهرة وسط طلبة الدفعة الرابعة إخراج.. قدمت مشهدي وفزت بكتاب أسس الإخراج المسرحي.

2

أربع سنوات بعدها.. سنة 1995، أدخل الشركة العالمية وأقابل يوسف شاهين في حضور يسرى نصر الله، مخرج فيلم المدينة، الذي يُعرف شاهين بى فينظر شاهين بعين لامعة ويرحب بكاتب السيناريو الجديد فى شركته.. بعدها بعشر سنوات مرة أخرى على عتبة مكتبه.. شاهين.. المكتب خاص جداً بناء قديم.. هدوء تام.. كشاف أباجورة يضىء المكتب وصوت شاهين من خلف الكشاف يرحب بى: أهلاً يا ناصر.. مش انت ناصر؟.. جلست فى صمت أتأمل وجه شاهين خلف مكتبه وهو يستند على نسختين من السيناريو.. أنظر تجاه السيناريو.. ضحك وقال: كنت هاخليك تقرأ السيناريوهات دى بس قررت أغيّر رأيى.. انت عندك إيه؟.

3

قلت: عندى قصة، ساعتها افتكرت قصة سينمائية كنت كتبتها لخالد صالح من سنة، وخالد صالح هرب منى وقال لى محدش هيعرف يعمل لك القصة دى.. وقلتها لشاهين بالحرف وأنا باصص فى لمبة الأباجورة وشايف عين شاهين اللى بتلمع وأنا باتكلم لغاية ما خلصت.. قال لى اطلع مكتب جابى علشان تمضى الفيلم.. طلعت لقيت جابى بيضحك وبيقول لى: فيلم إيه وعقد إيه؟! وفى لحظة كان شاهين طالع مكتب جابى، وجه شاهين يقول له امضى معاه الفيلم اللى فى دماغه.. روّحت جرى أدوّر على القصة اللى اديتها لخالد صالح وعدّلت عليها ورُحت الميعاد التانى وسلمت القصة ومضيت العقد، وبعد شهرين خلصت السيناريو.

4

رحت لجابى قال لى: الحق شاهين قبل ما يسافر العجمى.. وخد شاهين أول نسخة من الفيلم وأخد فيه شهرين ومهواش عايز يقول لى إيه الأخبار.. حب السيناريو ولا لأ.. رجعت لحياتى العادية وأنا بنص دماغ، مشغول بالنتيجة وعايز أعرف إيه رأى شاهين، ورجع شاهين من العجمى وقال لى هيعمل السيناريو ده فيلم، وقال لى إنه من أربعين سنة محدش كتب له سيناريو لوحده، لكن السيناريو بتاعك هيبقى باسمك لوحدك ومجهودك مش هيضيع.. فرحت جداً وكان يوم سعيد لأنه اتولد فيه ابنى.. أكتوبر 2005، وبعدها بدأت رحلتى مع شاهين اللى ادانى أكبر نيشان سينمائى وقال لى: لو اشتغلنا من عشرين سنة ما كنتش سبتك.

5

فى شم النسيم كان أول يوم تصوير، أربع كاميرات سينما بتصور مظاهر شم النسيم فى شبرا والساحل وروض الفرج.. واليوم اللى ما أروحش فيه التصوير، يتصل ويقول لازم تحضر التصوير، علشان باعرف رأيك من رد فعلك على الفيلم.. وفى يوم دخلنا المكتب لقيته قدامه أورج صغير جداً بيعزف عليه بشكل غريب، سألت قال: فيه لحن فى ودانى الإكسليفون.. الإكسليفون.. ورُحنا الاستوديو عند ياسر عبدالرحمن وبدأ الموسيقى التصويرية فى الفيلم.. وتعدى شهور وأطلع المونتاج فى شركة فى الدور السابع وأشوف أول نسخة متصورة فى الفيلم فى وجود شاهين وخالد يوسف.. وجابى خورى وسمير فريد.. شجعنى سمير فريد وقال لى الفيلم جرىء وحلو، ومن ساعتها عرفت إن قيمة الناقد السينمائى سمير فريد لا يعوضها أحد من بعده.

6

نادراً ما تمطر سماء القاهرة.. لكن فى هذا اليوم جاء المطر شديداً.. كان وقت التصوير مشهد «نور» الشخصية التى كانت تمثلها النجمة منة شلبى، وكنا فى حوش المدرسة، شاهين ينادى فأتجه إليه أجده يعطينى كيس كاجو وهو يضحك، كان يكافئنى دائماً بالكاجو، وهكذا كان شاهين يحب من يعمل معه ويحمى كل من يعمل معه ولا يفرق بين أحد، يصنع الأفلام بحرفية ومهارة وتلقائية كما يطبخ الطعام بمزاج وكرم ومحبة.

لم أنسَ يوم أن رفع السيناريو فى إعجاب ويقول: يوم ما السيناريو خلص.. الفيلم خلص، كان يضحك كلما أحكى له مشهداً وهو يهز رأسه يطلب كتابته ويقول: لا أعترف إلا بالمشهد المكتوب، هذا المعلم الذى لا يبخل على تلامذته بالنصيحة.

يعلم أن الكتابة هى الأهم من الكلام الشفهى.. تعلمت منه الإيقاع فى المشهد وهو خبير فى الموسيقى، يحب المشهد الذى يحقق إيقاعاً وتناغماً، كما تعلمت منه كتابة الحوار بالإيقاع وموسيقى خاصة، عندما يوقف قراءتى ويخبرنى أن فى الحوار مشكلة ويحب الاهتمام بإيقاع فى الحوار.. تعلمت منه الإخلاص.. فى عمله لا يلتفت أبداً إلا لفيلمه ولا يفكر فى شىء إلا فى فيلمه.. فى الواحدة صباحاً اتصل بى وقال: فيه مشهد زيادة وغير مفهوم.. كان يسهر على فيلمه ويصحى على فيلمه.. لم أرَ سينمائياً يعشق السينما مثل شاهين.

وفى يوم كانت بروفة رقص بين «نور» منة شلبى وبين «شريف» وكيل النيابة، المكان كان صالة مدرب رقص، لم أتوقع أبداً أن يقوم شاهين بوقف الموسيقى ويتقدم فى بطء من منة شلبى ويطلب منها أن ترقص معه الحركة التى يتخيلها شاهين.. كان يوماً مذهلاً أن أرى شاهين يرقص بخفة ورشاقة مثلما رأيته أول مرة وهو يصعد فوق سلالم معهد السينما، وكأن حبه للسينما وجنونه بالموسيقى والرقص يحوله إلى شاب فى العشرين.. كما كان يقول: المهم سن قلبك مش سن شهادة الميلاد.


مواضيع متعلقة