«أمريكا والصين».. مواجهات خاسرة

بلال الدوي

بلال الدوي

كاتب صحفي

ما أن انتهت زيارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب لـ«الصين» حتى اجتهد الباحثون السياسيون وخبراء العلاقات الدولية فى تحليل الزيارة ورصد إيجابياتها وسلبياتها على الأوضاع فى الشرق الأوسط، لم يتريثوا ولم ينتظروا وسارعوا فى التحيز لكلا الطرفين.

والآن، وبعد مرور (96) ساعة على الزيارة، تكشفت الأمور ووضحت الصورة إلى حد ما، وظهرت مؤشرات يحق لنا أن نبنى عليها وجهات نظرنا.. مبدئياً: أظهرت الزيارة قوة الصين وقدرتها على صياغة عصر جديد تكون فيه «الصين» بمثابة (كفة ميزان) مُنفصلة وتكون فيه - أيضاً - قادرة على إحداث توازن عالمى يقف أمام القوى الأمريكية العظمى.. فقد أثبتت أن الصينيين لديهم صرامة فى التعامل، لا تهاون مع مواقفها المعلنة، لا تقبل بفرض ضغوط عليها، ترفض العقوبات الأمريكية على شركاتها وصناعتها ومُنتجاتها، لا تقف كثيراً أمام أهداف أمريكا بقدر ما تتمسك بأهدافها.

«الصين» لم تَعِد أمريكا بشىء، بمعنى أن («تشى جين بينج» لم يَعِد «دونالد ترامب» بشىء)، الملفات التى كان من المقرر طرحها على الطاولة كانت معروفة ومُتفقاً عليها ومعروفة وجهات نظرهما فيها قبل اللقاء، لكن «تشى جين بينج» لم يُعط «ترامب» أى وعود بتنفيذها.. ملف (إيران - الأزمة والنفط) كان الحوار عاماً جداً، عرضت أمريكا رؤيتها، فكان الرد الصينى دبلوماسياً إلى أقصى مدى، الصين قالت: نرفض غلق مضيق هرمز، والجهود الدبلوماسية كفيلة بالوصول إلى حلول.

ولا بد من إيقاف المواجهات، رغم أن أمريكا كانت تُراهن على النفوذ الصينى لدى إيران لدفعها للتوقيع على اتفاق الهدنة الذى عرضه ترامب.. ملف (الرسوم الجمركية) كان يُنبئ بحرب تجارية قادمة أكثر ضراوة مما هى عليه الآن، فالطرفان - الصينى والأمريكى - فرضا رسوماً جمركية على سلع ومنتجات كل طرف.. ملف (التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى) فرضت أمريكا قيوداً صارمة على تصدير البرمجيات، والصين تطالب بضرورة رفع تلك القيود، فى المقابل سعت أمريكا لإلغاء القيود التى فرضتها الصين على تصدير المعادن النادرة التى تُستخدم فى مجالات التصنيع، خاصة تصنيع السيارات الكهربائية، رغم منع أمريكا دخول السيارات الكهربائية الصينية إلى أراضيها.

كان ملف (تايوان) هو الأهم بالنسبة للصين، ولذلك نجحت فى الحصول على وعود من ترامب بعدم التدخل فيه والتزام أمريكا بمبدأ «الصين الواحدة»، وقام ترامب قبل الزيارة بتعليق صفقة سلاح لتايوان بقيمة (١٣) مليار دولار فى إشارة إلى رغبته فى التهدئة مع الصين قبل الزيارة، وبعد الزيارة أعلن عن رفضه استقلال تايوان وعدم تدخله عسكرياً.

رغم إدراكنا لأهمية الزيارة وتوقيتها غير العادى، إلا أنها كانت زيارة حتمية للطرفين.. لكن بعد الزيارة مباشرة عاد «ترامب» ليواصل تهديداته لإيران مرة أخرى، وأصبح الوضع جلياً أمام الجميع؛ أن الصين لم تتدخل لدى إيران لإعادة فتح مضيق هرمز، هى فقط طالبت بإعادة فتحه وادَّعت أن إيران تُغلق حركة سير السفن لكن أمريكا تُغلقه كلياً.. لكن لا يمكن إغفال التصريح الرسمى الصادر عن الرئيس الصينى «تشى جين بينج» والذى تناقلته جميع وكالات الأنباء واعتبره البعض بمثابة مُلخص للزيارة والتى قال فيه نصاً (أمريكا والصين تستفيدان من التعاون وتخسران فى المواجهة)، هو تصريح مُوجز قصير، لكنه مُعبِّر عن ما تجيش به صدور الصينيين تجاه الأمريكان.