ناصر عبدالرحمن يكتب: في الشخصية المصرية (1) من هاجر إلى «سنوحي»
ناصر عبدالرحمن يكتب: في الشخصية المصرية (1) من هاجر إلى «سنوحي»
في سكون يراقب ويتابع أبواب المطارات وموانئ السفن ومواقف الأوتوبيسات ومحطات القطارات ومراكب النيل وهو يرى حواساً تتدافع كأنها موجات تقترب وتبتعد عكس الجاذبية الأرضية.
يحدق في ذهول تجاه حواس البصر والسمع والشم والتذوق واللمس والإحساس والتوازن والألم والإيقاع والإدراك والحدس والخوف والفرح والتطور والتحول والتغيير والأسماء.
الحواس كلها تبحث عن جسد لتتفاعل، لتجد نفسها تكتشف أهميتها وطاقتها.. حواس تتجاوز العشرين تائهة بلا أجساد بين سماء مصر وأرضها وداخل حدودها.. لسان حالها أين سكني؟.. أين الجسد الذي أبحث عنه؟.
لم يكن ما يراه خيالاً ولا خبلاً ولا رؤية ولا اكتمالاً.. كلها أسرار بلا قلب..
تتجمّع الحواس أمام المهاجرين على مر الأزمان منذ سنوهي ورمسيس الثاني ورع مري نيت حتى عصر البطالمة والرومان والقديسة فيرينا في سويسرا التي علّمت أوروبا النظافة وعلمتهم الإنسانية.. حتى الزعيم أحمد عرابي الذي نُفي إلى جزيرة سيلان 1882 وعاش في المنفى 19 سنة علّم أهل الجزيرة اللغة العربية وعرّفهم بالطعام المصري وجعلهم يرتدون الجلباب المصري.
هكذا يصنع المصري.. زعيماً كان أو ملكاً أو عالماً أو فلاحاً أو عاملاً.. يحوّل المنفى إلى وطن، والقطيعة إلى نسب.. هكذا المصري يدرك بالفطرة أن وطنه في قلبه وأنه مهما طُرد أو تعرّض للنفي أو هاجر إلى دنيا يصيبها، باحثاً عن لقمة العيش يصنع من غربته قربة.
هكذا المصري وهكذا شخصيته تكمن في كونه يهاجر إلى دنيا يصيبها وهو متصل بجذوره.. تنتظره حواسه حتى يعود من غربته.. قلبه وعقله وبصره وإدراكه وإحساسه وأنسه وشمه ولمسه ولسانه المصري وذوقه، كلها تنتظره في حراسة جذوره.. وكأن جذور المصري داخل طين أرضه تبحث عنه وتنتظره.
رأيت سنوهي وهو الذي هاجر أرضه وعاش خارج مصر، ثم طلب أن يُدفن في مصر.. ولما عاد إلى مصر تجمّعت فيه الحواس كلها تنطق بالمصري وتقول: (ما أسعد أن يعود الإنسان ليُدفن في الأرض التي وُلِد فيها).
نطق لسانه وعينه تبكي، تروي جذوره (لا شيء يعادل مصر حتى بعد سنوات الغربة).
وقبل أن يُدفن يبتسم وهو يتشمم رائحة بلاده وهو يلمس طين أرضه.. وينطق كلماته مودعاً أهله وعشيرته وسكنه وأحبابه، يأنس بإدراك حبهم له، لينطق كلماته مودعاً (كنت غريباً بين الأقوام وقلبي متجه إلى مصر).
الشخصية المصرية غيّرت مفهوم الهجرة وحوّلتها إلى تركيبة تسكن أعماق الشخصية المصرية.. تتفاعل معها وترتبط بها.. تسكنها وإن بعدت عنها وتزيدها قوة وإن هاجرت منها.
لقد تعرّف المصري منذ مصر القديمة على الهجرة كعلاج لا بد منه وأحياناً أخرى كعقاب يغفر ذنبه.. وكوسيلة تعيد أوصاله.. وحوّل سنوات غربته إلى همزة وصل، وجعلت أوجاع الغربة وآلامها سنداً وبناءً وعماراً.
حوّلته من سجين غربته وحوّلت سجنه وغربته إلى حرية وامتداد لأوصاله.
وتأكدت بأفعال المهاجرين المصريين إلى هذا المدد والاتصال لدرجة أن وصيته الموت في أرضه.
ولم يكن سنوهي وحده الذي يجعل من هجرته إلى وطنية وانتماء عقائدي يسكن «جين» المصري قبل أن يعرف غيره الوطنية والانتماء.
كثير من الأمثال التي لا تُعد ولا تُحصى لعودة جثمان المصري إلى تراب أرضه واختيار الموت في حضن بلاده، متمرداً على غربته، ونافياً ابتعاده سنوات البعد أياً كان السبب.
فإن عقيدة الشخصية المصرية أن تُدفن في أرض مصر، مهما كانت سنوات البعاد، حتى لو كانت هجرته داخلية من جنوب مصر إلى القاهرة والإسكندرية في ما يُعْرَف بترييف المدينة.
وهذا ما سنتعرض له في الثلث الأول من الجزء الثاني في الشخصية المصرية.