لماذا فشلت الأحزاب فى الانتخابات؟

من المبكر جداً استخلاص نتائج نهائية بخصوص الجولة الأولى من انتخابات مجلس النواب، التى انتهت مساء أمس الأول الأربعاء.

ومع ذلك، فهناك إشارات لا يمكن تجاهلها أبداً؛ وهى إشارات يمكن أن تعطى انطباعاً عن هذه العملية الانتخابية بجوانبها السلبية التى بدت كثيرة، وجوانبها الإيجابية التى بدت شحيحة ونادرة.

كان لفظ «العزوف» أحد أكثر التعبيرات التى ارتبطت بتحليل تلك الانتخابات، فى ظل تراجع أعداد الناخبين فى معظم الدوائر، مقارنة بأعدادهم فى استحقاقات انتخابية أخرى سابقة.

وحمّل البعض الإعلام المسئولية عن حالة الإحباط واللامبالاة التى أصابت قطاعات من الناخبين، ودفعتهم إلى مقاطعة العملية الانتخابية.

وراح آخرون يشيرون إلى أن الدولة لم تقم بدورها فى إدارة العملية الانتخابية بالنزاهة والحياد الواجبين، وذهب بعض هؤلاء إلى القول إن قدراً من التلاعب بنتائج الانتخابات قد جرى بعيداً عن الصناديق، عبر مساندة الدولة لفصيل معين على حساب المنافسين.

وتلقى النظام الانتخابى الكثير من الانتقادات، واعتبر البعض أنه المسئول الأول والمباشر عن تراجع اهتمام الناخبين بالانتخابات.

يشترك الإعلام بكل تأكيد فى تحمل قدر من المسئولية عن الأوضاع السلبية التى آلت إليها تلك الانتخابات، كما تتحمل الدولة مسئولية مضاعفة، لأنها أخفقت فى أن تعطى الانطباع بحيادها، كما أن الخلل فى النظام الانتخابى بات واضحاً للجميع، إذ عجز كثير من المصوتين عن فهم آلية الانتخاب، أو عن معرفة المرشحين المتنافسين فى دوائرهم.

لكن الأحزاب المتنافسة فى تلك الانتخابات تتحمل قدراً كبيراً من المسئولية بدورها، سواء تلك الأحزاب التى استطاعت أن تحصد مقاعد فى البرلمان المنتظر، أو تلك التى أخفقت فى ذلك.

فشلت الأحزاب فى تطوير رؤية سياسية وبرامج مفصلة، كما أخفقت فى تنظيم نفسها، وبلورة خطاب انتخابى متماسك، وبثه من خلال وسائل الاتصال التقليدية والجديدة لقواعدها الجماهيرية.

والأخطر من ذلك أن معظم الأحزاب، وخصوصاً تلك التى أحرزت مكاسب يعتد بها، أظهرت قدراً كبيراً من الانتهازية فى اختيار مرشحيها على المقاعد الفردية.

وبدلاً من أن تقوم الأحزاب بدورها المفترض فى تعزيز فكرة المنافسة عبر طرح البدائل السياسية، وإقناع الجمهور بها، راحت تتبنى خطاباً شعاراتياً سطحياً فارغاً.

وبدلاً من أن تطرح كوادر ذات توجه أيديولوجى متجانس، وتجربة سياسية متسقة مع عقيدة كل حزب ومنهجه وتراثه وأسلوبه فى ممارسة العمل السياسى، راحت تتخاطف المرشحين التقليديين أصحاب النفوذ فى مناطقهم، بصرف النظر عن سجلهم السياسى، أو حتى سمعتهم، وقدرتهم على خدمة الجمهور.

ما فعلته الأحزاب، خصوصاً الجديد منها، فى هذا الصدد كان أشبه بما تفعله أندية البترول ورجال الأعمال والمؤسسات الغنية، التى تخطف لاعبى الأندية الجماهيرية، اعتماداً على قدرتها المالية، وتسخرهم للعب باسمها، بصرف النظر عن درجة الاتساق والولاء.

يمكن أن يتم قبول مثل تلك الممارسة فى عالم الاحتراف فى كرة القدم، لكن تطبيقها فى المجال السياسى ليس سوى تدليس وانتهازية فجة.

لقد استفاد عدد من الأحزاب الجديدة والقديمة للأسف من اعتوارات الممارسة الانتخابية فى مجتمعنا، وخصوصاً ما يتعلق منها بسطوة الانتماء القبلى أو الدينى، كما أفرط بعض الأحزاب فى إنفاق المال السياسى لحصد مقاعد مجلس النواب.

كان من المفترض أن تقوم الأحزاب بتعزيز بيئة التنافس السياسى عبر امتلاكها رؤية سياسية واضحة، وتربية كوادرها، ودعوة الجمهور إلى مساندتها عبر التصويت لصالحها.

لكن ما حدث كان عكس ذلك تماماً، فقد سعت تلك الأحزاب إلى مصالحها الضيقة فقط، عبر الاستفادة من المرشحين أصحاب النفوذ التقليدى فى دوائرهم، بصرف النظر عن هويتهم السياسية وتاريخهم الانتخابى.

لا يمكن للديمقراطية أن تزدهر فى مجتمع دون ممارسة حزبية فعالة وقوية، وهو أمر ما زال بعيد المنال فى مصر، رغم انتفاضتى يناير ويونيو.