الرحلة المقدسة
أهلَّ النبيُّ بالحج سنة 10 هجرية، وذلك في حجته الشهيرة بـ«حجة الوداع»، أو «حجة البلاغ»، أو «حجة الإسلام»، وخرج في الرحلة المقدسة لخمس ليالٍ بقين من شهر ذي القعدة. وصل، صلى الله عليه وسلم، إلى مسجد ذي الحليفة (أبيار علي) وهناك أخذ يلبي قائلاً: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لك، لا شريك لك»، وانطلق صوت المسلمين من خلفه بالتلبية، وتحرك الركب المبارك سائراً نحو البيت الحرام، ووصل مكة لخمس ليالٍ خلون من ذي الحجة، ما يعني أنه قضى ما يقرب من 10 أيام في الطريق.
كان الهدف الرئيسي من حجة الوداع هو أن يعلم الرسول المسلمين مناسكهم ويفقههم في سنن حجهم، بعد أن أبطل الإسلام طقوس الحج المرتبطة بالجاهلية، بنزول سورة «براءة» سنة 9 هجرية، وقد تعلمت الأجيال المتتالية من المسلمين تعاليم فريضة الحج، التي يرى بعض كتاب السيرة أن الله تعالى فرضها على المسلمين في عام 9 هجرية، من هذه الرحلة.
عدة أسابيع كانت تفصل بين حجة الوداع وصعود روح النبي الشريفة إلى بارئها في ربيع الأول سنة 11 هجرية. مرت السنوات وأتم النبي مهمته في تبليغ رسالة ربه إلى العالمين، ولم يتبقَّ له سوى أن يوصيهم وصيته الأخيرة، كان، صلى الله عليه وسلم، بمنى فوق بغلته يوم النحر (عيد الأضحى)، حين خطب في المسلمين وأخذ يملي عليهم مجموعة التعاليم الأساسية التي يرتكز عليها الإسلام، بدءاً من حُرمة دم المسلم، وحُرمة ماله، وحرَّم عليهم الربا، وحرَّم النسيء، وأوصى خيراً بضعاف الأمة، وعلى رأسهم المرأة.
مؤكد أن نبي الله، صلى الله عليه وسلم، كان ينظر إلى عشرات الألوف من المسلمين الذين صحبوه في هذه الرحلة المباركة، ويحمد ربه، ويشعر أنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة، كيف لا وقد بات المسلمون يُعدون بعشرات الآلاف بعد 7 سنوات فقط من لحظة عاشها النبي كانوا يُعدون فيها بالعشرات. فعدد المسلمين في «بدر» لم يكن يزيد على 319 مقاتلاً. لقد كان النبي ينظر إلى قلة عددهم قياساً بعدد المشركين في هذه المعركة ثم يستغيث بالله قائلاً: «اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام، فلا تُعبد في الأرض أبداً».
أقام النبي بمكة عشرة أيام بعد أن انتهى من حجة الوداع، ثم بدأ في رحلة العودة إلى المدينة المنورة، فرجع إليها أواخر شهر ذي الحجة سنة 10 هجرية، وعقب عودته بساعات أطل على المسلمين عام 11 من الهجرة، وهو العام الذي شهد وفاة النبي، بعد ما يقرب من 9 أسابيع من وصوله إلى المدينة، وما بين انطلاق الركب العائد من مكة والوصول إلى المدينة، وقعت أحداث جسام شهدها المسلمون ما زالت تؤثر عليهم حتى يوم الناس هذا.