«الغموض الكئيب»
نشرت صحيفة الجارديان البريطانية تقريراً هذا مقتبس منه: «غزة تعيش حالة من الغموض الكئيب بعد أكثر من سبعة أشهر على توسط ترامب فى اتفاق وقف إطلاق النار، فى ظل غياب أى عمليات إعادة إعمار، ومعاناة ما يُعرف بـ«مجلس السلام» من نقص حاد فى التمويل، إلى جانب تهميش التكنوقراط الفلسطينيين الذين اختيروا لإدارة القطاع من مصر».
هذا التقرير يعكس تشاؤماً واضحاً من الوضع الحالى فى قطاع غزة، ويتطابق مع تقارير أخرى أصدرتها صحف ومصادر أخرى حول تعثر خطة ترامب للسلام، فالوضع العام قاتم للغاية، دمار هائل لا يزال قائماً، غياب إعادة إعمار حقيقية، سيطرة إسرائيلية على أجزاء واسعة من أراضى قطاع غزة، ناهيك عن هشاشة التهدئة.
إن السبب الرئيسى حول تفاقم الأوضاع فى غزة وإغماض العالم عينيه عما يحدث وتراجُع الاهتمام الدولى بمتابعة ما يجرى على الأرض، يعود إلى الملل والتعب والتحول إلى أزمات أخرى بعد أكثر من 7 أشهر من وقف إطلاق النار فى شهر أكتوبر 2025، وأصبح الوضع «غموض كئيب» كما وصفت الجارديان، فقد انتقل العالم إلى أزمات أكبر: الحرب مع إيران، التوترات الإقليمية، والانتخابات وتدهور الاقتصاد فى الغرب، ومع الوقت وبسبب الأخبار المتكررة عن غزة والملل الإعلامى والسياسى بدأت تفقد جاذبيتها بعد سنوات من الصراع، فضلاً عن تردد الدول المانحة فى دفع مليارات الدولارات لإعادة الاعمار طالما لا يوجد نزع سلاح «حماس» أو استقرار أمنى، إذ تحتاج غزة 71 مليار دولار كتقدير لإزالة الأنقاض وإعادة الإعمار، ورغم كل هذه العقبات فإن هناك مسألة الانقسام السياسى بين بعض الدول، خاصة فى الغرب، منها من ترى أن إسرائيل لها الحق فى الدفاع عن نفسها ضد تهديدات مستمرة من «حماس»، ودول أخرى يدعمها الرأى العام ترى إسرائيل دولة مسئولة عن معاناة مستمرة، وهذا الانقسام يؤدى إلى شلل، خاصة أن كثيراً من الدول يشك فى أن المساعدات لن تذهب إلى «حماس» أو تُستخدم فى بناء أنفاق جديدة.
ما يعيشه أبناء قطاع غزة شديد التعقيد والغموض، الوضع القائم ليس حرباً شاملة، لكنه ليس سلاماً أيضاً. إذ يستمر القصف المدفعى والجوى الإسرائيلى على الفلسطينيين، ولم ينقطع منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار، فضلاً عن الاغتيالات التى تنفذها قوات الاحتلال بحق مواطنين أو قياديين من حركة حماس، فلم يسلم سكان القطاع من الاعتداءات والغارات اليومية أو هدم ما تبقى من منازل، فقد سقط خلال الفترة الماضية أكثر من 870 شهيداً، فضلاً عن مئات الجرحى، ومع استمرار آلية التدمير الممنهج والنزوح المتكرر، فإن معظم السكان، نحو 1.9 مليون فلسطينى، ما زالوا نازحين، ويعيشون فى خيام مكتظة أو مبانٍ مدمَّرة جزئياً.
لذا فإن إعادة الإعمار شبه معدومة (أقل من 1% من الركام تمت إزالته)، وهناك أكثر من 43 ألف شخص مصابون إصابات غيَّرت حياتهم بالكامل (بتر أطراف، إصابات عمود فقرى، حروق) وخدمات إعادة التأهيل شبه معدومة، مع النقص الحاد فى الأدوية والمعدات.
يعانى الفلسطينيون من نقص حاد فى المياه والغذاء رغم التحسن النسبى بعد وقف إطلاق النار، لكن 1.6 مليون شخص فى حالة انعدام غذائى حاد، ومشكلات الصرف الصحى (فيضانات مياه الصرف) تراكم النفايات بشكل خطير، مع انتشار الأوبئة والقوارض التى بدأت تشكل عبئاً وتهديداً إضافياً على السكان وخاصة الأطفال.
إن القيود التى تفرضها إسرائيل على دخول المساعدات، والغارات المتكررة، وبناء نقاط عسكرية جديدة، والسيطرة على أجزاء واسعة حوالى 54% من غزة، تُعتبر سياسة متعمَّدة للضغط على السكان ومنع عودة الحياة الطبيعية، والحقيقة المرة الواضحة أن الوضع الأمنى والسياسى هش جداً وقد ينفجر مرة أخرى، والحل الوحيد الممكن نظرياً هو العودة إلى الحراك الدولى الضاغط، والتفاعل الأمريكى الحقيقى الذى تحول بالكامل نحو الحرب على إيران، لا بد أن يعود لتنفيذ تعهداته لإنهاء المرحلة الثانية من الاتفاق.
صحيح أنه لا توجد وصفة سحرية سريعة، والطريق الأكثر واقعية هو ربط الوضع الإنسانى بالوضع السياسى، أى توفير المساعدات الفورية مقابل خطوات أمنية، والتركيز على معاناة المدنيين وإعادة تسليط الضوء عليها إعلامياً قد يعيد الزخم، لكنه قد يقلل من حجم معاناة الناس التى بدأت تتفاقم إلى حد مفزع.