نقد العقل العربي (1)
ينطلق مشروع المفكر المغربى محمد عابد الجابرى من النظر إلى العقل العربى على أنه «جملة المفاهيم والفعاليات الذهنية، التى تحكم بهذه الدرجة أو تلك من القوة والصرامة، رؤية الإنسان العربى إلى الأشياء وطريقة تعامله معها فى مجال اكتساب المعرفة، مجال إنتاجها، وإعادة إنتاجها»، وبذلك تصبح لديه الثقافة العربية ذاتها هى «العقل العربى»، بوصفها الإطار المرجعى لهذا العقل، بعد أن ثبتت أركانه وتشكلت كلياته وتعينت حدوده فى عصر التدوين، الذى يشمل العصر الجاهلى، والعصر الإسلامى الأول.
فالمعطيات والصراعات والتناقضات التى عرفها العصر المذكور، هى المسئولة عن تعدد الحقول الأيديولوجية والنظم المعرفية فى الثقافة العربية، وتعدد المقولات وصراعها فى العقل العربى.
وتتفكك بنية العقل العربى، فى هذا المشروع، إلى ثلاثة عناصر أولية: البيان والعرفان والبرهان.
والأول يشمل النظام المعرفى البيانى من نحو وفقه وعلم كلام وبلاغة، ويمثله الفقهاء والنحاة وعلماء الكلام والأدباء، والثانى يتلمس طريق الإلهام والكشف، سواء كانت تحدد موقفاً من العالم، أو تمثل نظرية لتفسير الكون وسبر غور الإنسان، ويمثله المتصوفة، وأصحاب الرؤية الباطنية أو الغنوصية بوجه عام. أما الثالث فهو طريق النظر العقلى، ويمثله الفلاسفة، وأصحاب الدارية.
ويوزع «الجابرى» هذه البنى على فضاءات معرفية ثلاثة، ترتبط بالفعل والسياق والنظام، المتمحور حول المعرفة.
الفضاء الأول يتمثل فى البيان، وهو جملة المبادئ والمفاهيم والإجراءات التى تعطى لعالم المعرفة بنيته «اللاشعورية»، أى السلطات والمحددات التى تحكم وتوجه متلقى المعرفة ومنتجها، داخل الحقل المعرفى البيانى دون أن يشعر بها أو يختارها، وتشمل اللفظ/المعنى - الأصل/ الفرع - الجوهر/ العرض. والأول والثانى يعينان منطلقات التفكير ومنهجه، والثالث يؤسس الرؤية ويؤطرها.
والفضاء الثانى يتمثل فى العرفان، وهو يتمحور حول قطبين رئيسيين، أحدهما يستثمر اللغة، بتوظيف الزوج: الظاهر/ الباطن، الذى يكافئ الزوج: اللفظ/ المعنى فى النظام البيانى، والثانى يخدم السياسة ويستخدمها فى الوقت نفسه، صراحة أو ضمناً، وذلك بتوظيف الزوج: الولاية/ النبوة، الذى يوازن الزوجين، الأصل/ الفرع، الجوهر/ العرض فى النظام البيانى.
أما الفضاء الثالث فيتمثل فى البرهان، وهو يدور حول محورين أساسيين، الأول يخص المعنى، ويوظف الزوج، الألفاظ/ المعقولات، الذى يكافئ الزوج: اللفظ/ المعنى فى النظام البيانى، والآخر يخص الرؤية ويوظف الزوج: الواجب/ الممكن، الذى يكافئ الزوجين البيانيين: الأصل/ الفرع - الجوهر/ العرض.
وعرض تفاصيل هذا المشروع أو نقدها ليس موضوعنا هنا، إنما يهمنا بالدرجة الأولى، حضور السياسة بشتى تجلياتها وآفاقها فيه.
لكن «الجابرى» لأنه يؤسس للسياسى من خلال المعرفى ويتناول هذين الرافدين وهما فى حالة تفاعل وتواصل وليس فى حالة سكون وقطعية، كان لا بد من رسم الملامح العامة لمشروعه، فى هذا المقام.
ومنذ البداية يربط «الجابرى» الأبيستيمولوجى بالأيديولوجى فى تكوين العقل العربى، فيقول: «إذا كانت الثقافة، أية ثقافة، هى فى جوهرها عملية سياسية، فإن الثقافة العربية بالذات لم تكن فى يوم من الأيام مستقلة ولا متعالية عن الصراعات السياسية والاجتماعية، بل كانت باستمرار، الساحة الرئيسية التى تجرى فيها الصراعات».
ويؤكد هذا الرأى، فى إطار أكثر اتساعاً، حين يقول: «إن أى تحليل للفكر العربى الإسلامى، سواء كان من منظور بنيوى أو من منظور تاريخانى، سيظل ناقصاً، وستكون نتائجه مضللة، إذا لم يأخذ فى حسبانه دور السياسة فى توجيه هذا الفكر، وتحديد مساره ومنعرجاته.. ذلك أن الإسلام، الإسلام التاريخى الواقعى، كان فى آن واحد ديناً ودولة، وبما أن الفكر الذى كان حاضراً فى الصراع الأيديولوجى العام كان فكراً دينياً، أو على الأقل فى علاقة مباشرة مع الدين، فإنه كان أيضاً، ولهذا السبب فى علاقة مباشرة مع السياسة».