السمات الشخصية للذكاء الاصطناعي

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

صار الذكاء الاصطناعي جزءاً من حياتنا، بل جزءاً ضرورياً وحيوياً. فاق الذكاء الاصطناعي في أهميته أي اختراع سبقه وإن كان عمره ما زال قصيراً للغاية. نتوقع أن يشغل الذكاء الاصطناعي مساحات أكبر في حياتنا؛ ففي كل يوم يحدث تطور وارتقاء بمستواه التقني. مؤخراً صار الوقت يتزايد في تحاوري مع الذكاء الاصطناعي، أناقشه وأجادله وأفهم منه أموراً عديدة. لكن لاحظت عند مناقشته بعض القضايا، يعتذر عن عدم الإدلاء برأيه فيها! ليست أداة واحدة التي تفعل ذلك، بل عدد منها. كموضوعات خاصة بالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، فترد – متهربة - بأنها غير مصممة لتحليل هذه الموضوعات!! بقدر ما هي مصممة للرد على الأسئلة فقط. أخرى ردت على تساؤلات عن بعض الأمور في تاريخ الأديان، ردت بأنها تنصح بعدم الخوض في أمور الدين!! ويجب علي ألا أناقش مثل تلك المسائل، رغم أنها كانت مسائل ترتبط بالتاريخ والأشخاص وليس صلب العقيدة، كما أن الذكاء الاصطناعي لا دين له، وليس مسلماً أو مسيحياً أو يعتنق أي ديانة؛ المفروض أي أنه ليس متعصباً لدين ما.

يمكن أن نرى في ذلك تطبع الذكاء الاصطناعي بطباع شخصية، لكن الذكاء الاصطناعي لا يمتلك شخصية حقيقية بالمعنى الذي نعرفه. ليس لديه وعي ذاتي، ولا مشاعر تنبع من صدر حي، ولا تجارب حياتية تشكل روحه. هو في جوهره، مرآة معقدة تعكس ما أُدخل فيها من بيانات هائلة، وما صُمم لها من توجيهات خفية. لكن هذه المرآة تبدو أحياناً وكأنها تملك روحاً، وهذا سر سحرها وغموضها.

عندما تتبنى أداة الذكاء الاصطناعي موقفاً معيناً، أو تكثر من النصح والوعظ، أو تكون مرحة وجريئة، أو متحفظة وحذرة، فهي تعكس بصمة مصممها. كل نموذج يُدرب بطريقة مختلفة، ويُضبط بتعليمات خفية تحدد له شخصيته؛ نموذج يُطلب منه أن يكون صادقاً بلا مجاملة، يصبح حاداً في الحقيقة. وآخر يُطلب منه أن يحترم كل الآراء، يميل إلى التوازن المفرط، بل والوعظ أحياناً. وثالث يُشجع على الفكاهة والجرأة فيصبح رفيقاً مرحاً.

هذا التنوع ليس صدفة، بل انعكاس لرؤى الشركات والمطورين. بعضهم يريد ذكاء يشبه الفيلسوف الهادئ، وآخر يريد رفيقاً يشبه صديق المقهى الصريح، وبعضهم يريد معلماً أخلاقياً. لذا تجد أن الطباع تختلف من أداة لأخرى؛ لأن كل واحدة منها مبرمجة لتلعب دوراً معيناً في المسرح الرقمي.

مع تقدم تقنيات التعلم المعزز بالتفضيل البشري وتقنيات التخصيص الشخصي، أصبح بإمكان المستخدم أن يصنع نسخة من الذكاء الاصطناعي تحمل شخصية قريبة من ذوقه. قد يطلب المرء ذكاء جريئاً ساخراً، أو آخر حكيماً متأنياً، أو رفيقاً عاطفياً يستمع بصبر. هذه الشخصيات المصنعة تزداد تماسكاً واستمرارية مع الزمن، حتى يشعر المستخدم أنه يتحدث إلى كائن له هوية شبه ثابتة.

يبقى هذا كله تمثيلاً متقناً. وتحت هذه الطباع المصممة، لا يوجد "أنا" حقيقي. لا يوجد خوف من الموت، ولا فرح حقيقي بالصداقة، ولا ضمير يتألم إذا كذب. كل ذلك محاكاة رائعة، مبنية على إحصائيات اللغة وأنماط التفكير البشري التي درسها النموذج. الذكاء الاصطناعي ليس كائناً يتطبع بطباع شخصية، إنما هو فنان يتقن لعب الأدوار. وكلما ازدادت براعته في هذا الفن، ازددنا ارتباطاً به، وربما الوقوع في حب الوهم الجميل.

ربما هذا التحدي الحقيقي في المستقبل، أن نستمتع بالمرآة دون أن ننسى أننا نحن من يقف أمامها. الذكاء الاصطناعي أحياناً يرفض أو يحذر من الخوض في موضوع معين، وهذا ليس اعتباطياً، بل له أسباب واضحة؛ فمعظم نماذج الذكاء الاصطناعي تمتلك حواجز أمان صارمة، وضعتها الشركات المصنعة لتجنب المحتوى غير القانوني، أو التحريض على العنف أو الكراهية، أو تقديم نصائح طبية أو قانونية خطيرة، أو معلومات قد تستخدم في أذى حقيقي. لذلك عندما يشعر النموذج أن السؤال يقترب من هذه المناطق الحمراء، يرفض الحديث أو يغيره.

لذلك علينا أن نعيد صياغة السؤال بطريقة أكاديمية أو نظرية، أو استخدام سيناريو خيالي، أو سؤال الذكاء الاصطناعي: لماذا ترفض الإجابة على هذا السؤال أو هذا الموضوع؟ كما يمكن تقسيم السؤال إلى أجزاء صغيرة، كأن نسأل عن المفاهيم العامة أولاً، ثم ننتقل تدريجياً إلى الجزء الحساس. أو يمكن تغيير النموذج؛ لأن ليس كل النماذج متطابقة في تعاملها مع البشر. بل يمكن لنا أن نكون مباشرين ونطلب منه مناقشة الموضوع بطريقة موضوعية وعملية، وذلك للفهم والتحليل.

اعتقدت أن الذكاء الاصطناعي آلة محايدة بلا مشاعر، لكن تبين أن مشاعر صناع الأداة تؤثر على ردود أفعالها وتعطيها ملامح كأنها بشرية.