التدوين الذكي للتحقيقات الجنائية
في السابع عشر من شهر مايو 2026م، وفي منشور على صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي فيس بوك، تساءل الأستاذ الدكتور محمود كبيش، أستاذ القانون الجنائى والعميد الأسبق لكلية الحقوق جامعة القاهرة، متعجباً، وقائلاً: هل تتلاشى المبادئ الإجرائية تباعاً، ومنها ما نصت عليه المادة 73 من قانون الإجراءات الجنائية التى توجب اصطحاب المحقق لكاتب يوقع على محضر التحقيق؟!! إلى أين نحن ذاهبون؟!
وتعليقاً على هذا المنشور، وعلى الصفحة ذاتها، كتب أحد القراء: «على حد علمى فيه عجز كبير فى سكرتارية التحقيق، سواء من حيث الكفاءة أو من حيث العدد لعدم وجود تعيينات جديدة، وهذا يعمل حمل أصلاً على أعضاء النيابة، إنه يضطر يشتغل بيده.. يا ريت الدولة ترجّع التعيينات مرة أخرى ونطالب كلنا بهذا».
وكتب قارئ آخر: «وقف تعين موظفين جدد منذ أكثر من عشر سنوات + إنهاء ندب الموظفين من جهات إدارية أخرى وعودتهم لتلك الجهات أعتقد كان توفيراً لفارق الدخل بين الوزارات + من بلغوا سن التقاعد خلال السنوات تلك + من تم فصلهم بناء على قانون تحليل المخدرات.. النتيجة عجز رهيب فى عدد موظفى النيابات والمحاكم.. مثلاً أمين سر الجنايات كان دائماً له مساعد، حالياً لا يوجد ذلك المساعد + أن أمين السر يعمل لدى دائرتين شهرياً وقطعاً يقع فى أخطاء لاستغراق العمل لكامل وقته.. تخيل معاليكم أن أحدث موظف سنه يقارب الأربعين».
والواقع أن تدوين التحقيق الابتدائى هو أحد المبادئ الأساسية الحاكمة للتحقيق الابتدائى. ولا يكفى مجرد كتابة الإجراءات، بل يجب أن تكون الكتابة بواسطة كاتب من كُتاب المحكمة يصطحبه المحقق فى جميع الإجراءات، وقد ورد النص على هذا المبدأ فى المادة الثالثة والسبعين من قانون الإجراءات الجنائية السارى حالياً رقم 150 لسنة 1950، بنصها على أن «يستصحب قاضى التحقيق فى جميع إجراءاته كاتباً من كُتاب المحكمة يوقع معه المحاضر، وتُحفظ هذه المحاضر مع الأوامر وباقى الأوراق فى قلم كُتاب المحكمة».
وورد النص على المبدأ ذاته فى المادة السابعة والستين من قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025م، والذى سيسرى اعتباراً من أول أكتوبر المقبل، بنصها على أن «يستصحب عضو النيابة العامة فى التحقيق أحد كُتاب النيابة العامة لكتابة أو تحرير المحاضر اللازمة، ويجوز له عند الضرورة أن يكلف غيره بذلك بعد تحليفه اليمين، ويوقع عضو النيابة والكاتب على كل صفحة من هذه المحاضر، وتحفظ النيابة العامة المحاضر مع باقى الأوراق».
وقد جاءت الإضافة الواردة فى النص الجديد تقنيناً لما استقر عليه قضاء النقض على أنه يجوز للمحقق ندب غير الكاتب المختص فى حالة الضرورة وأن تقدير هذه الحالة موكول لسلطة التحقيق تحت إشراف محكمة الموضوع (نقض 10 نوفمبر 1981م، مجموعة الأحكام، س 32، رقم 146، ص 843). والعلة من وراء اشتراط وجود كاتب للتحقيق هى أن يتفرغ المحقق لعمله الفنى، فيترك للكاتب مهمة التدوين بدقة وإحكام.
وتمشياً مع علة توافر هذا الكاتب فإن عمله قاصر على تدوين إجراءات التحقيق بالمعنى الضيق دون أوامر التحقيق.
وجدير بالذكر فى هذا الصدد أن محكمة النقض قضت بأنه لا يترتب على عدم الاستعانة بكاتب للتحقيق بطلان التحقيق الذى يُجريه فى حالة الاستعجال، لأن عضو النيابة يحق له، بوصفه رئيس الضبطية القضائية، مباشرة الاستدلالات الممنوحة لمأمورى الضبط القضائى (نقض 2 نوفمبر 1975م، مجموعة الأحكام، س 26، رقم 144، ص 659). والمستفاد من هذا القضاء أن محضر التحقيق الباطل سوف يتحول إلى محضر استدلالات.
هذا التحول لا يكفى لصحته إذا ما كان مصدر الدليل هو إجراء من إجراءات التحقيق أو إجراء من إجراءات الاستدلال، لما لذلك من تأثير فى تكوين اقتناع المحكمة رغم حريتها فى تكوين هذا الاقتناع من أى مصدر من مصادر الدليل.
وعلى كل حال، وأياً كان أثر عدم الاستعانة بكاتب على التحقيق، فإن التدوين قد يتم بخط اليد، وقد يتم باستخدام الحاسب الآلى بأن يتم الاستعانة بأحد الأفراد للكتابة عليه.
ولكن، ظهرت مؤخراً بعض التطبيقات الذكية التى تقوم بتحويل الصوت إلى نص مكتوب، ويطلق على هذه التطبيقات باللغة الإنجليزية عبارة (automated transcription software).
ومن أشهر البرامج التى توفر هذه الخدمة، يمكن أن نذكر برنامج (Sonix)، وهذا البرنامج به ميزة كبرى وهى الربط مع برنامج زووم، الأمر الذى يجعل من الممكن استخدامه فى حالة إجراء التحقيق أو المحاكمة عن بُعد، وبحيث يستطيع البرنامج تدوين الكلام عن بُعد. وقد سبق أن أشرنا إلى التدوين الذكى للتحقيقات الجنائية، وذلك فى مقالنا المنشور على موقع نقابة المحامين المصرية بتاريخ 18 أكتوبر 2020م، تحت عنوان «العدالة الجنائية الذكية.. التدوين الذكى».
وبعد نشر هذا المقال بأربعة أعوام تقريباً، وتحديداً فى التاسع والعشرين من شهر أغسطس 2024م، نشرت الصفحة الرسمية لرئاسة مجلس الوزراء المصرى بياناً صادراً عن وزارة العدل تحت عنوان «وزيرا العدل والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات يوقعان بروتوكول تعاون لتطوير منظومة التقاضى باستخدام تكنولوجيا الذكاء الاصطناعى».
ويذكر البيان أنه «تنفيذاً لتوجيهات فخامة السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى رئيس الجمهورية بشأن ميكنة محاضر الجلسات، باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعى؛ وقع اليوم الخميس الموافق 29/8/2024 بمقر وزارة العدل بمدينة العلمين كلٍ من السيد المستشار/ عدنان فنجرى وزير العدل، والسيد الدكتور/ عمرو سميح طلعت وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، بروتوكول تعاون بين الوزارتين بشأن تطوير آليه تحويل الصوت إلى نصوص مكتوبة آلياً باستخدام تكنولوجيا الذكاء الاصطناعى فى المحاكم المصرية.
ويهدف البروتوكول إلى تسهيل ورفع كفاءة عملية كتابة محاضر جلسات المحاكمة عن طريق استخدام محرك يعمل على تحويل الصوت إلى مُحرَّر مكتوب باستخدام الذكاء الاصطناعى، من خلال ربط محرك تحويل الصوت إلى مُحرَّر مكتوب المطوَّر من خلال مركز الابتكار التطبيقى بوزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بالتطبيق المستخدم من قبَل وزارة العدل والتكامل بينهما لتدوين محاضر الجلسات آلياً، مع إتاحة تشغيل التطبيقات الخاصة بنظر قضايا تجديد الحبس الاحتياطى داخل (66) قاعة «تجديد الحبس عن بُعد».
ويستهدف هذا التطبيق تعميم ونشر هذه الآلية على مستوى الجمهورية لاستخدامها بأقصى كفاءه وفاعلية فى العمل اليومى لتشمل كافة قاعات المحاكم الجنائية، والاقتصادية».
وبعد أيام قليلة من تولى وزير العدل الجديد مهام منصبه رسمياً، وفى يوم الاثنين الموافق السادس من شهر أبريل 2026م، وخلال اجتماع لجنة الخطة والموازنة بـمجلس النواب، أعلن وزير العدل عن تشغيل خدمة تحويل الصوت إلى نص فى 66 قاعة محكمة، بحيث يتم تسجيل وقائع الجلسة بشكل إلكترونى بالتوازى مع عمل سكرتير الجلسة، بما يسهم فى تحقيق الدقة وسرعة توثيق الإجراءات.
وهكذا، فإن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى يمكن أن يقدم لنا الحل لهذه المشكلة ويسهم فى حل العديد من الإشكاليات القانونية.
والمأمول هو أن تحذو النيابة العامة حذو المحاكم فى إدخال تقنية تحويل الصوت إلى نص فى تحقيقات النيابة العامة.
** أستاذ القانون الجنائى بجامعة القاهرة