ثم يأتي يوم عرفة

قبل رحلتى إلى الحج عام 2017، كنت أستمع إلى مزيج إنشادى بديع قدََّمته فرقة «الإخوة أبوشعر» السورية، جمع بين رائعة أم كلثوم «القلب يعشق كل جميل»، وابتهال الشيخ سيد النقشبندى «مولاى إنى ببابك».

خلق امتزاج العملين حالة صفاء آسرة، كلمات بيرم التونسى وهى تناجى: «دعانى لبِّيته لحد باب بيته.. وأما تجلى لى بالدمع ناجيته»، ثم يتسلل صوت الابتهال العذب للشاعر عبدالفتاح مصطفى: «مولاى إنى ببابك قد بسطت يدى.. من لى ألوذ به إلاك يا سندى».

وكأن تلك الكلمات كانت تمهِّد الروح لرحلة لم تكن فى الحسبان، حتى جاءت البشرى بالسفر إلى الحج، وكُتبت لى الدعوة إلى بيت الله من حيث لا أدرى، فضلاً ورحمةً من الله.

وفى الأيام العشرة المباركة من ذى الحجة، أستعيد هذا المزيج الفريد كلما تجدَّد الشوق، وعادت الروح تهفو إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، وإلى تلك الرحلة التى لا تشبه أى رحلة أخرى، رحلة يتخفف فيها الإنسان من ضجيج الدنيا، ليقف بقلبه وحده على باب الله، لا يملك إلا الدعاء والدموع.

أتذكَّر لحظة النية الأولى، حين بدأت فى التخفف من العالم شيئاً فشيئاً.. مشاعر التحرر بملابس الإحرام.. رهبة السفر، والانتظار الطويل الممتزج بالرجاء.. ثم الوصول إلى الأرض التى لا تشبه سواها، حيث يصبح الزمن أكثر هدوءاً، وتصبح الروح أكثر طمأنينة.

وأسترجع إطلالة المسجد النبوى الساحرة، وبهجة الوقوف أمام قبر النبى صلى الله عليه وسلم، تتبدل المشاعر إلى حالة تعجز اللغة عن احتوائها.

آلاف المسلمين جاءوا من كل فج عميق، يحمل كل منهم حكايته وهمومه وأمنياته، لكنهم جميعاً يذوبون فى معنى واحد: محبة سيدنا النبى.

السلام عليك يا سيدى يا رسول الله..

السلام عليك يا حبيب الله..

هناك، بالقرب من الروضة الشريفة، لا يملك القلب إلا أن يبكى. تشعر أن المكان ما زال محتفظاً بعبق النبوة، وأن الأرواح تمشى على مهل حتى لا توقظ الشوق النائم فى القلوب.

تتساقط الدموع بلا مقاومة، ويقشعر البدن حين يستوعب الإنسان أن هذا الموضع شهد يوماً خطوات النبى الكريم، وأن هذه البقعة التى وصفها بأنها «روضة من رياض الجنة» ما زالت تفيض بالسكينة نفسها بعد كل هذه القرون.

ثم كانت الرحلة إلى الكعبة المشرفة.. إلى البيت العتيق الذى يبقى، مهما تبدلت ملامح المكان حوله، ثابتاً بجلاله وهيبته، كأنما خُلق ليكون ملاذ القلوب المتعبة.

ورغم مشقة الطريق والزحام والإعياء، فإن النظرة الأولى إلى الكعبة كفيلة بأن تهز الروح كلها.

لحظة لا تشبه أى لحظة أخرى؛ ارتجافة داخلية عميقة، ودموع تنهمر بلا استئذان، وإحساس كامل بالتسليم.

هناك فقط، يفهم الإنسان معنى أن يقف على باب الله.

تردَّد بداخلى وقتها صدى صوت النقشبندى: «مولاى إنى ببابك»، فانفتح القلب دفعة واحدة، وخرجت الدعوات من أعماقه دون ترتيب، وغسلتنى الدموع والاستغفار، وشعرت أننى أترك خلفى أثقال العمر كلها، لأقف خفيفاً أمام الله، لا أملك إلا الرجاء.

وفى الطواف، وسط هذا البحر البشرى الهائل، شعرت أننى ذرة صغيرة فى مشهد كونى مهيب، تتحرك فيه الأرواح قبل الأجساد. سبعة أشواط من الذكر والانكسار الجميل، ثم لحظة التعلق بأستار الكعبة عند الملتزم، حيث يمتزج الدعاء بالبكاء، ويتمنى الإنسان ألا يكون هذا آخر العهد ببيت الله الحرام.

ثم يأتى يوم عرفة.. يوم السكينة الكبرى، والتجلى الأعظم، اليوم الذى يبدو فيه العالم كله أصغر من دعوة صادقة تخرج من قلب منكسر إلى السماء.

وبرغم المشقة الكبيرة، يبقى هذا اليوم واحداً من أنقى ما يمكن أن يعيشه الإنسان فى عمره؛ يوم يشعر فيه أن الله أقرب إليه من كل شىء، وأن الرحمة أوسع من كل ما يخشاه.

الحج ليس رحلة سفر، بل رحلة عودة.. عودة الإنسان إلى فطرته الأولى، إلى قلبه الذى أرهقته الدنيا، وإلى يقينه بأن أبواب الله لا تُغلق أبداً أمام من جاءه صادقاً.

ولعل أجمل ما يبقى بعد انتهاء المناسك، ليس الصور ولا الذكريات، بل ذلك الأثر الخفى الذى يستقر طويلاً فى القلب؛ أثر الدموع عند الكعبة، والصلاة فى الروضة الشريفة، والدعاء فى عرفة، وصوت أم كلثوم وهى تشدو: «يا ريت حبايبنا ينولوا ما نولنا يا رب.. يا رب توعدهم يا رب».

اللهم ارزقنا دائماً طريقاً إليك، وقلباً لا يمل الدعاء، وشوقاً لا ينطفئ إلى بيتك الحرام، واجعل لنا من نور هذه الأيام المباركة نصيباً دائماً لا ينقطع.

وفى يوم عرفة، الذى قال النبى ﷺ عن الدعاء فيه: «خيرُ الدُّعاءِ دُعاءُ يومِ عرفةَ»، نسْأَلُكَ يا رب الهُدى، والتُّقى، والعفاف، والغِنى.

وكل عام وأنتم بخير.