أعياد وراء أعياد
وتمر السنوات، العشرات منها والأكثر، وتبقى تلك الاحتفالات موجودة ومتكررة برتم واحد لا يتغير، ننتظرها بمشاعر تجتمع على السعادة والحب والترقب ويبدو أننا نحن مَن نتغير وتضع الأيام بصماتها على ملامحنا وأجسادنا وعائلاتنا الصغيرة والكبيرة، فيرحل الكثيرون ونرزق بالأكثر عدداً وبنفس المعزة والحب والاشتياق ووسط كل هذا نعيشها أعياداً وراء أعياد.
ونظل ننتظر الأيام ونعد الساعات الباقية على ميلاد الشمس وظهور ضوئها وانتشاره في الأفق وبدء الاحتفالات، الصغار ينتفضون من الفراش لارتداء الملابس الجديدة، والكبار يكبرون ويهللون في طريقهم للمساجد التى تغطيها الأنوار والأوراق الملونة وتمتلئ مخازنها باللعب والحلوى للصغار، أما المنازل كلها فتنبعث منها روائح الطعام والتي تحكى لنا التاريخ المصرى الحديث والجديد.
فكعك الجدات بأنواعه المختلفة عرفه المصريون منذ عصر الفاطميين، واعتاد الصغار والفتيات على تعلم نقشه وهم مندسون إلى جوار الأمهات يدققون النظر في الأشكال لينقلوها ويتمنوا لو استطاعوا كتابة أسمائهم على القطع التى ينفذونها، ومن عيد لآخر تتغير العادات ومعها روائح الطعام، فمن أنواع الأسماك في عيد الفطر إلى اللحوم بجميع أنواعها في عيد الأضحى إلى الديك الرومى بفخامته عندما يتصدر المائدة في عيد الميلاد المجيد، والأشكال المختلفة بإبداعاتها من الخوص في يوم الزعف الذى يشارك فيه جميع المصريين ويتباركون به ويعلقونه على الأبواب، إلى عيد الغطاس ومائدته المميزة جداً، وصيام السيدة العذراء حبيبة المسيحيين والمسلمين.
أعياد وراء أعياد وتمتلئ القلوب بالذكريات وصور اللقاءات العائلية ووصول المغتربين لمشاركة الاحتفالات لأن هناك مذاقاً خاصاً جداً لكل الأعياد على أرض مصر، وإذا أردت أن تعرف أهميتها لدينا، فما عليك إلا زيارة مطار القاهرة الدولى ومشاهدة وقراءة لوحة الرحلات وعددها، أو الذهاب لمحطات القطارات الرئيسية والبحث عن تذكرة عودة لأى محافظة لتشعر ماذا يعنى لدينا البيت الكبير وحضن الأم والأسرة وطعام الجدة وهدايا الصغار والمحبين وأشواقهم للمسة يد رقيقة ترحب بالعائد بعد بعاد وتهمس له بهمهمات ودندنات لا يسمعها أحد غيره.
ولأننا شعب يعشق الحياة ويبحث عن السعادة وسط كل الآلام وإجهاد السنين وقسوتها، فعليك إن أردت أن تعرف أبسط معانى السعادة أن تزور حى البسطاء في الموسكى لترى عائلات ترتسم السعادة على وجوههم وهم يشترون ملابس الصغار بأسماء الماركات العالمية وألوانها ورسوماتها المقلدة، ففي هذا المكان تجد جميع أشكال الاحتفالات لجميع الأعمار بمخالفة جميع قوانين الصناعة، لأن الأعياد في مصر لا تفرق بين الأغنياء والفقراء، فالسعادة تشبه تلك الفيروسات التى تنتقل بسرعة جنونية وتصيب الجميع بلا استثناء.
فإذا أردت أن تعرف ما هى الأعياد التى تتعاقب طوال العام، فلتبحث وتقرأ عن مصر أم الدنيا وحكاياتها المصورة وأحيائها الدينية والشعبية وأسواقها بجميع درجاتها.