تجريم تزويج القاصرات

شهد الرأي العام المصري مؤخراً جدلاً كبيراً بشأن مشروع قانون الأسرة، ولاسيما فيما يتعلق بمدى حق الزوجة في فسخ عقد الزواج. وبعيداً عن هذا الجدل، ثمة نص في مشروع القانون لم يجد حظه من العناية والاهتمام، ويتعلق بتجريم تزويج القاصرات. بيان ذلك أنه وبالاطلاع على نسخة مشروع القانون المنشورة على المواقع الإعلامية بتاريخ الرابع من شهر مايو 2026م، ووفقاً للمادة 169 منه، «يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة وغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه، ولا تزيد على مائتى ألف جنيه، كل من زوَّج أو شارك في زواج طفل لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره وقت الزواج. وفضلاً عن العقوبات المنصوص عليها في الفقرة السابقة، تقضى المحكمة بعزل المأذون أو الموثق. ولا تسقط هذه الجريمة بمُضى المدة».

وجدير بالذكر في هذا الصدد أنه، وفي يوم الأحد الموافق الحادى والعشرين من مارس 2021م، وخلال خطابه في احتفالية يوم المرأة المصرية وتكريم الأمهات المثاليات، قال الرئيس المصرى عبدالفتاح السيسى إنه وجَّه الحكومة بسرعة اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع زواج الأطفال، مؤكداً على أهمية الإسراع بإصدار تشريع قانونى خاص، يتم بموجبه منع الزواج المبكر للأطفال، وينص على السن القانونية للزواج. وفي هذا الصدد، قال الرئيس السيسى: «استكمالاً لمسيرة دعم وتمكين المرأة المصرية، أوجِّه الحكومة بما يلى: قيام مجلس النواب بسرعة اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع زواج الأطفال، أنا بتكلم على الزواج المبكر بقانون مستقل والنص صراحة على السن القانونى للزواج». ومن ناحية أخرى، قال الرئيس السيسى إن قانون الأحوال الشخصية الجديد المزمع إقراره من جانب البرلمان سيراعى التوازن في حقوق الأب والأم.

والواقع أن خطاب السيد الرئيس يشير بشكل واضح إلى ضرورة إصدار «تشريع قانونى خاص»، يتم بموجبه منع الزواج المبكر للأطفال، وينص على السن القانونية للزواج. وقد أكد السيد الرئيس على هذا المعنى، قائلاً: أنا بتكلم على الزواج المبكر «بقانون مستقل» والنص صراحة على السن القانونى للزواج.

وتنفيذاً لتوجيهات السيد الرئيس، نعتقد من الضرورى والمفيد أن يتم إصدار قانون مستقل بتجريم تزويج القاصرات. وتبدو فائدة هذا الأمر في التأكيد على رغبة الدولة المصرية في محاربة ظاهرة زواج القاصرات، ولا سيما في المناطق الريفية.

ويمكن أن يتضمن هذا القانون، بالإضافة إلى نص المادة 169 سالف الذكر، نصوصاً أخرى تتعلق بتجريم التحريض العلنى على زواج القاصرات. ويمكن أن يتضمن القانون أيضاً نصاً نظيراً لنص المادة 227 من قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937، معدلة بالقانون رقم 29 لسنة 1982م، والتي تنص على أن «يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز سنتين أو بغرامة لا تزيد على خمسمائة جنيه كل من أبدى أمام السلطة المختصة بقصد إثبات بلوغ أحد الزوجين السن المحددة قانوناً لضبط عقد الزواج أقوالاً يعلم أنها غير صحيحة أو حرَّر أو قدَّم لها أوراقاً كذلك متى ضُبط عقد الزواج على أساس هذه الأقوال أو الأوراق. ويعاقب بالحبس أو بغرامة لا تزيد على خمسمائة جنيه كل شخص خوَّله القانون سلطة ضبط عقد الزواج وهو يعلم أن أحد طرفيه لم يبلغ السن المحددة في القانون».

ونعتقد من المناسب هنا أن تكون العقوبة المقررة لجريمة التزوير في عقد الزواج، من خلال إبداء أقوال غير صحيحة بقصد إثبات بلوغ أحد الزوجين السن المحددة قانوناً، هى الحبس الوجوبى، وبحيث لا يكون للقاضى سلطة الخيار بين عقوبتى الحبس والغرامة، لا سيما أن مقدار الغرامة المقررة ضئيل جداً، ولا يزيد على ثلاثمائة جنيه. فالأمر هنا يتعلق بجريمة تزوير في محرَّر رسمى. والنص العام بشأن جريمة التزوير في محرَّر رسمى يقرر لها عقوبة السجن المشدد أو السجن (المادتان 211 و212 من قانون العقوبات).

وغنى عن البيان أن عقوبة السجن هى عقوبة جناية، بما يستتبعه ذلك من تطبيق العديد من العقوبات التبعية. وهذا التشدد يرجع إلى حرص المشرع على تعزيز الثقة بالمحررات الرسمية. فلا يُعقل إذن أن يكون التزوير في أحد هذه المحررات الرسمية معاقباً عليه بعقوبة ضئيلة يمكن أن تصل إلى الغرامة التي لا تزيد على ثلاثمائة جنيه. بل إن هذه العقوبة هى أقل بكثير عن العقوبة المقررة للتزوير في محرر عرفي، والتي ورد النص عليها في المادة 215 من قانون العقوبات، بنصها على أن «كل شخص ارتكب تزويراً في محررات أحد الناس بواسطة إحدى الطرق السابق بيانها أو استعمل ورقة مزورة وهو عالم بتزويرها يعاقب بالحبس مع الشغل». أكثر من ذلك أن العقوبة المقررة لجريمة التزوير في عقد الزواج، منظوراً إليه باعتباره محرراً رسمياً، لا تقارن بصور التزوير الخاصة الأخرى في المحررات الرسمية، مثل التزوير في الشهادات المرضية، وتتساوى مع التزوير في تذاكر المرور.

وفي الختام، نرى من المناسب أن نشير إلى أن زواج الأطفال والزواج القسرى يُعتَبَر من انتهاكات حقوق الإنسان والممارسات الضارة التي تؤثر بشكل غير متناسب على النساء والفتيات على المستوى العالمى، وتمنعهن من أن يعشن حياتهن بمنأى عن أى شكل من أشكال العنف. وغالباً ما يترافق زواج الأطفال بحمل وولادة مبكرة ومتكررة، ما يؤدى إلى ارتفاع معدلات الأمراض والوفيات لدى الأمَّهات وتخطِّيها المتوسِّط.

ويهدد زواج الأطفال والزواج القسرى حياة ومستقبل الفتيات والنساء في جميع أنحاء العالم، ويسلبانهن قدرتهنَّ على اتخاذ القرارات بشأن حياتهن ويعطلان تعليمهن ويجعلانهن أكثر عرضة للعنف والتمييز وسوء المعاملة، ويمنعانهنَّ من المشاركة بشكل كامل في المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. إن تقدم المجتمعات مرهون بحسن إعداد المرأة للقيام بالدور المنوط بها إزاء أسرتها وأولادها والمجتمع بأسره. ولا يمكن الحديث عن حُسن إعداد المرأة وتأهيلها في ظل تفشى ظاهرة الزواج المبكر. وكما قال شاعر النيل حافظ إبراهيم: الأُمُّ مَدْرَسَةٌ إِذَا أَعْدَدْتَهَا... أَعْدَدْتَ شَعْباً طَيَّبَ الأَعْرَاقِ.