«العلوج» والفارسي «المُشرق»

قدم سلمان الفارسي صورة مشرقة للإنسان الفارسي، فقد ظهر على مسرح الأحداث كرجل صاحب عقل مفكر متوقد باحث عن الحقيقة، فحين شب وكبر أخذ ينظر إلى قومه الذين يعبدون النار مستغرباً، ولم يتقبل عقله ذلك، فجاب البلاد، وأخذ يسافر من مدينة إلى أخرى، يسمع إلى الأحبار والرهبان، حتى هداه الله إلى الإسلام. مؤكد أن المسلمين الأوائل أعجبوا بتجربة «سلمان» في السفر والترحال بحثاً عن الحقيقة، وربما يكون بعضهم قد فكّر في الفارق بين العقل الذي ظل يبحث ويفكر حتى وصل إلى الحقيقة، والعقل الذي وصلته الحقيقة دون تعب أو عنت. تمتع سلمان الفارسي بظهور شديد الخصوصية بعد دخوله الإسلام ببضعة أشهر، وذلك خلال غزوة الخندق أو الأحزاب، فقد فوجئ المسلمون بآلاف المشركين المتحالفين مع قريش يزحفون نحو المدينة، مستهدفين استئصال شأفة الإسلام، وذلك سنة 5 هجرية، ساعتها احتار النبي والمسلمون في كيفية صد هذا الهجوم العاتي، لحظتها ظهر «سلمان» بفكرة جديدة لم يعرفها العرب من قبل، وهي فكرة حفر خندق يحول بين المشركين وبين دخول المدينة.

وتوالت اقتراحات «سلمان» التي ساعدت في حل العديد من المعضلات العسكرية الشبيهة، مثلما حدث حين حاصر المسلمون مدينة «الطائف» وعجزوا عن اقتحام أسوارها، لحظتها علّم «سلمان» المسلمين كيف يصنعون المنجنيق (مدافع الحجارة) والدبابات (عربات خشبية مغلقة تحمل المقاتلين وتحميهم من رشقات السهام). في العديد من المشاهد ظهر سلمان الفارسي كعقل مختلف أنضجته التجربة، وأورثته الحضارة التي جاء منها العديد من الخبرات التي لم يسبق للعرب معرفتها، وكانت هذه الأفكار حاسمة في انتصار المسلمين في العديد من المواجهات، خصوصاً مواجهة الخندق.

أطل سلمان الفارسي على الإسلام خلال السنوات الأخيرة من عمر النبي، وقبل وفاته، صلى الله عليه وسلم، بخمس أو ست سنوات. لم يكن للرجل جذور مكية، مثل بلال أو صهيب وغيرهما من المهاجرين، ولم يكن بالطبع من أهل المدينة من الأنصار، وعندما تنازع عليه المهاجرون والأنصار في غزوة الخندق وأراد كل فريق منهم ضمه إليه، قال لهم النبي: «سلمان منا أهل البيت». يفترض أن هذه العبارة كانت كفيلة بإعادة رسم صورة الفرس في الذهنية العربية المسلمة، ليس فقط لتتساوى مع صورة «الأحباش» أو صورة «الروم» بل لتتفوق عليهما، لكن الغريب أن ذلك لم يحدث وظلت صورة الفرس سلبية إلى حد ما داخل العقل العربي المسلم، يستثنى من ذلك، أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان أهل البيت وعلى رأسهم العباس بن عبد المطلب -عم النبي- يشفقون على مَن كان يسميهم عمر بن الخطاب «العلوج»، وكان أكثر العلوج من الفرس الذين تم أسرهم بعد موقعة القادسية، أو تم استجلابهم للعمل لدى كبار أهل المدينة.

وقد صرخ عمر -بعد طعنه على يد أبي لؤلؤة المجوسي- في ابن عباس وقال له وهو يحتضر: «قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة».

والعلج هو الرجل القوي الشرس الذي يشبه في قوته وشراسته الحمار الوحشي.. فهل كانت تلك صورة الفرس في المخيلة العربية رغم التجربة الرائعة لسلمان الفارسي في الإسلام.. التجربة التي جعلت النبي يعتبره من أهل بيته، ودفعت أهل بيته إلى احتضان أبناء قوميته؟