إمام المقطم الغائب (2)

من الواضح أن مصدر تأزم أو شقاء بطل رواية الكاتب محمد موافى «إمام المقطم الغائب» ليس فقط وساوسه الداخلية، إنما السياق الاجتماعى السياسى الذى يقبض عليه، ويتحكم فى مساره ومصيره، حين يتحول إلى طاقة سلبية غامضة تقهره، وتسيطر عليه، بل تهدد وجوده، رغم أنه «طويل وعريض ومتين الجسد».

ولأن حياة البطل تبدو محددة ضيقة، يوغل الكاتب حفراً فى نفس هذا البطل، سواء كانت مناجاة حين يختلى إلى نفسه، أو بوحاً حين يحدّث غيره، خصوصاً جده العليل، أو حين يكتب خواطره، أو وقت أن يقوم باستدعاء شخصيات تتوافق مع حالته أو مع ما يؤمن به، وهى موزعة على أسماء حقيقية لأدباء، حيث نجد نجيب محفوظ وأحمد عرابى وأمل دنقل وصمويل بيكيت وأمبرتو إيكو وعبدالحليم حافظ وبليغ حمدى، أو شخصيات أدبية: مثل «شمس الناجى»، أحد أبطال رواية «ملحمة الحرافيش»، و«عطيل» بطل مسرحية وليام شكسبير.

يمتزج وجود هؤلاء فى ذهن بطل الرواية وراويها على حد سواء مع شخصياتها المتخيلة مثل يوسف، والشيخ منجى، وطاهرة، وإلهام وغيرهم، كما تمتزج أقوالهم جميعاً، لتفسر موقفاً، وتعطيه عمقاً، وتمنحه معنى إضافياً، أو توارب به مجرى السرد. فالكاتب طالما اقتبس أو اقتطف مقولات لهؤلاء الأدباء، أو تلك الشخصيات التاريخية، ثم قام بتذويبها فى ثنايا سرده هو، حتى لو حافظ عليها كوحدة نصية قائمة بذاتها، لكنها لم تكن ناتئة أو تشكل عبئاً على تطور الحدث الفنى.

والمجرى الأكبر للأحداث تصنعه حالة البطل فى خوره وخوفه، فهو «لم يواجه أحداً إلا نفسه، وداخل كشكوله، ولا يقدر أن يتحدى أحداً فى الشارع أو المدرسة»، حيث يقابل ما يقهره بمزيد من التردد والانكماش والهروب «ينتقم فى الخيال. يرسم معركة. يضرب ويشتم وينتصر فى أحلام يقظته وأحياناً فى المنام».

لكن تحرى «يوسف الناجى» فى تجنب الشر والأذى بالعزلة والانسحاب، لم تمنع يد الأشرار من الامتداد إليه، وهنا يقول له جده: «الشرير اقتحم وحدتك، ولم يرض إلا بالخضوع، وبالتصفيق الباطل»، وكان عليه أن يتعلم الانخراط بعد طول انسحاب، والإقدام بعد طول إحجام، وينصت إلى صوت جده: «واجه، لا تهرب. لا تنتظر أحداً. ازعق بملء أقلامك، فالسكون هو الموت المحقق، والكلام هبة سماوية».

ودخول هذه المرحلة لم يكن سهلاً على يوسف الناجى، إذ من الصعوبة بمكان على مثله أن يضرب مخاوفه المزمنة ضربة واحدة فيرديها قتيلة، وبدا الراوى مقدراً لهذه الحالة النفسية، فأتى إليه بالجسارة من خارجه، فجعل «شمس الدين الناجى» الفتوة، بطل «الحرافيش»، يكتب عنه فى كشكوله رسالة حملها له من جده «منجى». نفخ «شمس» كشخصية موازية فى النص، فى أوصال «يوسف» بطله وراويه، فأعطاه شيئاً من الشجاعة.

إنها الخلاصة التى كانت على بطل الرواية أن يقبض عليها بعد طول هروبها من نفسه، ناسياً تجربته الأليمة حين قبض عليه، وخضع لتحقيق شديد، وذاق فى محبسه ألواناً من التعذيب والإهانة، حرص الكاتب فى تصويرها على الإتيان بالسياق الحاضر فاعلاً قوياً فى التعبير والتدبير، وكأنه يريد فى هذا المقام أن يجعل من بطل روايته أمثولة قوية لأحداث معاصرة.

لكن الشجاعة التى أوتيت لبطل الرواية لم تكن مفرطة وسافرة إنما هى حذرة على قدر ما يطيق. شجاعة مستترة خلف السطور أو بينها، وليست مواجهة صريحة للظلم والقهر والتهميش. شجاعة التعبير الشخصى الخفى وليست تلك الساكنة فى التصرف المفعم بالتحدى، وهى على أى حال واقفة عند طور النصيحة التى حملتها رسالة جده: «افتح كشكولاً جديداً. ولوِّن فى أول السطر. ولا تتوقف ما دمت حياً، فالكتابة حضرة تليق بالعشاق، ولكل حضرة مقامات، ولكل مقام كلمات، لا يتم بغيرها. كل شىء بقدر، وما قدره الله يكون. انطلق فوق حصان خيالك، واكتب. فالخيال موهبة، والكتابة قدر».