لغز كراهية ترامب لألمانيا؟

ظل سبب كراهية الرئيس الأمريكي ترامب لألمانيا لغزاً، وقد ازداد اللغز غموضاً عندما أهدى المستشار الألماني فريدريش ميرتس الرئيس ترامب وثيقة شهادة ميلاد جده الذي وُلد ونشأ بمقاطعة بافاريا الألمانية، في إطار ذهبي، خلال زيارته للبيت الأبيض أول يونيو العام الماضي، ووقتها لم يعرف أحد سبب امتعاض ترامب وهو يتسلم الهدية؟!، وكان من المفروض أن يكون سعيداً بها!

ولم يستطع ترامب مداراة هذه الكراهية في عدة مواقف، منها قرار الولايات المتحدة الذي اتخذته الشهر الماضي بسحب ٥ آلاف جندي من قواتها العسكرية في ألمانيا، بحجة تقليص القوات الأمريكية الموجودة في أوروبا ضمن قوات حلف الناتو، عقاباً على عدم مشاركة الدول الأوروبية في الحرب الإسرائيلية- الأمريكية على إيران، وعقاباً على تعليق المستشار الألماني ميرتس على هذه الحرب والذي قال فيه «إن الولايات المتحدة تتعرض للإذلال من جانب إيران»، وعلَّق عليه ترامب وقتها قائلاً: «المستشار الألماني ميرتس لا يدري عما يتحدث».

وما يؤكد هشاشة هذه الحجة هو تصريح وزير الدفاع الذي أدلى به في أعقاب القرار، بأن سحب القوات العسكرية الأمريكية من ألمانيا تحديداً كان توجهاً لدى ترامب منذ ولايته الأولى (2016-2020).

لا يترك ترامب فرصة إلا وانتهزها للتباهي والافتخار بقوة أمريكا وانتصارها على ألمانيا، فخلال زيارة الملك تشارلز، ملك بريطانيا، لواشنطن وأثناء مأدبة العشاء المقامة على شرف الضيف قال ترامب في كلمته: إنه لولا أمريكا لكانت أوروبا كلها تتحدث الألمانية، ليُذكِّر العالم أن أمريكا هي التي انتصرت على ألمانيا في الحرب العالمية وأوقفت الزحف الألماني الذي كاد يتحول إلى استعمار لكامل دول أوروبا، مما دفع الملك إلى أن يرد عليه في كلمته قائلاً: إنه لولا بريطانيا لكان الأمريكيون يتحدثون الفرنسية!، قاصداً أن بريطانيا هي التي حمت أمريكا من فرنسا عندما استبدلت احتلالها بالاحتلال الفرنسي.

وتسبَّب كره ترامب لألمانيا في تحوُّل خطابات الترحيب والمجاملة المعتاد بروتوكولاً إلقاؤها في هذه المناسبات إلى كلمات أشبه بـ«المعايرة».

ومواقف أخرى كثيرة، لا يتسع المجال لسردها، ولكنها تصب في خانة كراهية ترامب لألمانيا.

وكان يمكن أن يظل سبب الكراهية غامضاً لولا أن ظهرت مؤخراً القصة الحقيقية لجذور عائلة ترامب في ألمانيا، التي تمتد إلى عام 1885 حينما كان جده «فريدريك ترامب» يعيش في مقاطعة بافاريا الألمانية، وحينما جاء وقت تجنيده إجبارياً، هرب إلى أمريكا، وكوَّن ثروة، وعندما أراد العودة إلى موطنه الأصلي في بافاريا عام 1904 ليستقر بها، تم طرده وزوجته بسبب تهربه من التجنيد ولسفره خارج البلاد بدون إذن، ولم تشفع رسالة الاستعطاف التي بعث بها الجد إلى حاكم بافاريا، واضطر إلى العودة مع زوجته إلى أمريكا، حيث وُلد «فرد» والد ترامب بعد العودة بثلاثة أشهر. وقد كانت الرسالة شديدة التزلف والاستجداء، سأنقل جزءاً منها نصاً، حيث يقول فيها جد ترامب لحاكم بافاريا: «في هذا الوضع الطارئ، ليس لديَّ ملاذ سوى التوجه إلى سيدنا المحبَّب، النبيل، الحكيم، العادل، حاكمنا الرفيع، صاحب السمو الملكي، الأسمى على الإطلاق، الذي جفف دموعاً كثيرة، والذي حكم بشكل مفيد وعادل وحكيم ولطيف، والمحبوب بحرارة وعمق، بتواضع شديد راجياً أن يتفضل سموه الكريم بالسماح لي بالبقاء في مملكة بافاريا الكريمة».

وذيَّلها بعبارة:

«أكثر خُدامك تواضعاً وطاعةً فريدريك ترامب».

وظني أن هذه هي آفة سياسة ترامب، حيث يطوِّع السياسة على هواه، وليس لمصلحة بلاده، ويوجه بوصلة أقوى بلد في العالم لخدمة مصلحته ومجده الشخصي، فهو الذي حوَّل اسم وزارة الدفاع الأمريكية إلى وزارة حرب، في سابقة لم تحدث في أمريكا منذ الحرب العالمية الثانية ولتتفرد أمريكا بهذا الاسم عن كل دول العالم، من أجل أن يظهر أمام العالم أنه «بطل»، وقد تسبَّبت هذه السياسة «الترامبية» في تخريب العلاقات بين الولايات المتحدة والعديد من حلفائها.

ولو استمر ترامب على هذا النهج فإن أمريكا ستفقد جزءاً كبيراً من نفوذها.