لغز الـ32% الزيادة في تحويلات أبطال المصريين بالخارج
في عالم الأرقام الاقتصادية، غالباً ما تُستقبل قفزات النمو بالترحيب والاحتفاء باعتبارها دليلاً قاطعاً على نجاح السياسات النقدية، وهذا إلى حد كبير صحيح، ومن بين هذه الأرقام، برز الإعلان الرسمي عن ارتفاع تحويلات المصريين في الخارج بنسبة 32% كإنجاز يعكس استعادة الثقة في القطاع المصرفي، وهذا أيضاً إلى حد كبير صحيح، غير أن التمعن في هذا الرقم بعين فاحصة ومجردة من العواطف سرعان ما يضعنا أمام مفارقة رياضية ومنطقية تستدعي تفكيك المشهد، حيث تبدو التفسيرات الجاهزة عاجزة عن الصمود أمام «المنطق»، مما يفتح الباب واسعاً لطرح الأسئلة الصعبة والتفنيد العلمي.
إذا بدأنا باستعراض الأسباب التقليدية التي تطرحها التقارير المعتادة، نجد في مقدمتها؛ عملية الإصلاح المالي والنقدي التي أنهت ازدواجية السعر، وأوقفت ضباع المال الحرام، وناهشي جسد الوطن، لكن عملية الإصلاح هذه كانت أشبه بمشروعات البنية التحتية الضخمة التي أرستها مصر خلال السنوات 10 الماضية، وهي بالحتمية ضرورية وأساسية ولا غنى عنها، لكنها ليست سبباً مباشراً وواضحاً لهذه الزيادة، خاصة أن عمر عملية الإصلاح تجاوز فكرة القفزة التاريخية في تحويلات أبطال المصريين بالخارج.
البعض أرجع الزيادة إلى مبادرة سيارات المصريين بالخارج وطروحات الأراضي في مشروع «بيت الوطن». لكن؛ مبادرة السيارات انتهت رسمياً منذ فترة طويلة ولم تعد مصدراً لتدفقات جديدة، أما مشروع «بيت الوطن» فقد تراجعت وتيرة طروحاته الكبرى، وتحول جزء كبير منها إلى سوق إعادة بيع وعمليات تجارية تُسوّى بالجنيه المصري «باستثناء الأقساط» ووفقاً لما يُعرف بـ«الأوفر برايس»، وهو ما لا يدخل خزينة الدولة كتدفق دولاري طازج من الخارج.
سبب آخر يتردد بكثرة هو طرح الشهادات الدولارية عالية العائد، وتفنيد هذا الأثر يكمن في طبيعة الوعاء الادخاري نفسه؛ فالشهادات جذبت كتلة حرجة في بداية صدورها، لكنها لاحقاً تحولت إلى التزام مالي وأثر مستقر، ولا يمكنها من الناحية الحسابية أن تضمن قفزات نمو متتالية وتصاعدية بهذا الحجم على مدار الشهور الممتدة.
أما المبرر الرابع فيتعلق بعامل التضخم الداخلي، حيث يُقال إن غلاء الأسعار في مصر أجبر المغترب على زيادة قيمة تحويلاته لتلبية مصاريف أسرته. وهذا الادعاء يدحضه الحساب الرياضي البسيط؛ فالتضخم التهم القوة الشرائية للجنيه المصري، بينما ظلت أسعار السلع الأساسية والمصروفات الحياتية عند تقويمها بالدولار أو بالعملات الخليجية شبه ثابتة، بل وفقدت جزءاً من قيمتها المقومة بالعملة الصعبة بعد استقرار سعر الصرف، وبالتالي فإن كلفة معيشة الأسرة بالدولار لم تقفز بنسبة ثلث القيمة لتبرر هذا النمو الإحصائي.
وحتى الطرح «الخامس» الذي يرى أن هناك طفرة ديموغرافية «سكانية» في أعداد المسافرين للخليج، فإنه يواجه تفنيداً واقعياً؛ إذ إن معدلات نمو السفر للخارج تدور حول نسب طبيعية وتدريجية لا تتعدى بضعة في المائة سنوياً، ولا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تحدث قفزة فجائية بنسبة 32% في الكتلة النقدية المحولة.
أمام ضعف هذه الأسباب التقليدية، يبرز في الأفق تساؤل: هل يمكن أن يكون السر كامناً في سلوك مالي خفي؟
هنا تظهر على طاولة النقاش فرضية ما يُعرف بـ«الرحلة الدائرية للأموال»؛ وهي أطروحة تفترض وجود رغبة لدى حائزي الدولار المكتنز والكاش في الداخل لشرعنة أموالهم وإدخالها المنظومة المصرفية الرسمية لتفادي الرقابة الصارمة وسؤال «من أين لك هذا؟». وتعتمد هذه الفرضية على فكرة تدوير هذا الكاش محلياً مع مستوردين أو وسطاء، مقابل قيام شبكات في الخارج بإرسال نفس القيمة عبر نظام «سويفت» كتحويلات شخصية قادمة من الخارج تكتسب صفة القانونية.
ورغم منطقية هذا التصور وقدرته على تفسير التدفق الضخم، فإنه يظل مجرد افتراض نظري يصعب إثباته قطعياً بالأرقام الرسمية، ويفتقر إلى مؤشرات حاسمة تؤكد قدرته الفردية على قيادة دفة الأرقام بهذا الشكل المتواصل.
بين أسباب تقليدية فنّدها الواقع والزمن، وفرضيات بديلة تفتقر إلى الحسم والجزم، يبقى لغز الـ32% عصياً على التفسيرات السطحية. إذ إن غياب الرابط المباشر بين المتغيرات يثبت أن حركة المال أعقد بكثير من مجرد معادلة بسيطة، وأن لغز الأرقام وتداخلاتها العميقة لم تُفك شفرته كاملة بعد.. ولذلك، يظل البحث عن السبب زاخراً بالأسئلة، ولا يزال جارياً.