سير بعض المتصوفات (2)
ذكرت في مقال الأمس ثلاث نسوة من عابدات البصرة، والرابعة هي «شبكة البصرية» التي كانت في بيتها سراديب لتلميذاتها وللمريدات تعلمهن طرق المجاهدات والمعاملة. وكانت تقول: «تطهر النفوس بالرياضات وإذا طهرت استراحت إلى العبادة كما كانت قبل ذلك تتعنى فيها».
والخامسة هي «أنيسة بنت عمرو العدوية»، وكانت تلميذة لمعاذة العدوية، ونسب إليها قولها: «ما رضت نفسي على شيء فأبت على إبائها إياي على أكل الحلال والكسب»، وكانت تقول: «العمل يجب أن يكون معه ثلاثة أشياء: الإخلاص والصواب والسنة».
والسادسة هي «أم الأسود بنت زيد العدوية» التي أرضعتها معاذة، وقالت لها: لا تفسدي رضاعي بأكل الحرام، فإني جهدت جهدي حين أرضعتك ألا آكل إلا حلالاً فاجتهدي بعد ذلك ألا تأكلي إلا حلالاً لعلك توفقين لخدمة سيدك والرضا بقضائه». وبعدها كانت أم الأسود تقول: «ما أكلت شبهة إلا فاتتني فريضة أو ورد من أورادي». وقد سُئلت عن قول الله عز وجل: «فاصفح الصفح الجميل»، فقالت: رضا بلا عتاب.
والسابعة هي «سعيدة بنت زيد» أخت حماد بن زيد، التي كانت تتشبه برابعة، وكانت كثيرة الاجتهاد دائمة التفكر، وقد نقل عنها قولها: «من تفكر في نعم الله عليه وتقصيره في شكره استحيا من السؤال مع كثير ما عليه من النوال».
والثامنة هي «أم سعيد بنت علقمة النخعية» التي أبكاها طويلاً داود الطائي، وكانت خادمته، حين سمعته يقول: «همك عطل علي الهموم وحالف بيني وبين السهاد، وشوقي إلى النظر إليك أوبق مني الشهوات». والتاسعة هي «كردية بنت عمرو» خادمة شعوانة العابدة، والتي أجابت مَن سألها: ما الذي أصابك من بركات خدمة شعوانة؟ قائلة: «ما أحببت الدنيا منذ خدمتها، ولا اهتممت لرزقي ولا عظم في عيني أحد من أرباب الدنيا لطمع لي فيه، وما استقصرت أحداً من المسلمين قط». والعاشرة هي «رابعة الأزدية» التي خطبها عبدالواحد بن زيد فحجبته، فاغتم، فتحمل عليها حتى أذنته فلما دخل قالت له: «يا شهواني، أي شيء رأيت فيَّ من آلة الشهوة، ألا خطبت شهوانية مثلك».
والحادية عشرة من أهل البصرة هي «حبيبة العدوية» وهي من كبار العارفات، وقيل إنها إذا زحفت العتمة صعدت إلى السطح، وشدت مئزرها ودرعها في خمارها، وتوجهت إلى الله تناجيه: «إلهي غارت النجوم ونامت العيون وغلقت الملوك أبوابها وخلا كل حبيب بحبيبه وهذا مقامي بين يديك». وإذا كان السحر قالت: «إلهي هذا الليل قد أدبر وهذا النهار قد أقبل فليت شعري قبلت مني فأهنأ أم رددتها فأعزى. وعزتك لهذا دأبي ودأبك أبداً ما أبقيتني لو انتهرتني من بابك ما برحت لما وقع في قلبي من جودك وكرمك».
والثانية عشرة هي «عبيدة بنت أبي كلاب» التي وُصفت بأنها عاقلة مجتهدة جيدة المواعظ، ونقل عنها: «من صحت تقواه ومعرفته لا يكون عليه شيء أحب من لقاء ربه والقدوم عليه». والثالثة عشرة هي «هند بنت المهلب»، التي كانت تقول: «إذا رأيتم النعمة مستدرة فبادروها بالشكر قبل حلول الزوال».. والرابعة عشرة هي «أم سالم الراسية» وهي من المجاهدات الكبار، حجت سبع عشرة مرة، وقالت: «إذا قصدت الحج محرمة، فما ينبغي للعبد أن يقصد سيده إلا بعقد يرى على نفسه آثار خدمته فإن العبد إذا تعطل عن آثار الخدمة عن قريب يتعطل عنها». والخامسة عشرة امرأة تدعى «بحرية» والتي كانت تقول: «إذا ترك القلب الشهوات ألف العلم واتبعه واحتمل كل ما يرد عليه».