سامح فايز يكتب: الدولة أم الجماعة؟
سامح فايز يكتب: الدولة أم الجماعة؟
كشفت السنوات التى تلت «30 يونيو» أن الأزمة بين الدولة المصرية وجماعة الإخوان لم تكن مجرد خلاف سياسى على السلطة، ولا صراعاً انتخابياً انتهى بخسارة طرف وفوز طرف آخر. فمثل هذه الخلافات تعرفها كل الدول، وتظل جزءاً طبيعياً من الحياة السياسية.
لكن ما جرى فى مصر خلال السنوات التى سبقت «30 يونيو» وما تلاها كان أعمق من ذلك بكثير، لأنه كشف عن وجود تصورين مختلفين للدولة وللمجال العام ولطبيعة الانتماء السياسى نفسه. فالدولة الحديثة، أياً كان النظام الحاكم أو التوجه السياسى للقائمين عليها، تقوم على مجموعة من المبادئ المستقرة؛ أهمها أن المواطن هو وحدة الانتماء الأساسية، وأن المؤسسات تسبق الأشخاص والجماعات، وأن القانون هو المرجعية العليا التى تنتظم تحتها المصالح والاختلافات.
أما الجماعات العقائدية المنظمة فتقوم بطبيعتها على رابطة أخرى؛ رابطة العضوية والالتزام والانضباط التنظيمى.
وفى الظروف العادية قد لا يظهر أى تعارض بين الانتماء إلى الدولة والانتماء إلى جماعة سياسية أو فكرية، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الجماعة من فاعل داخل المجال العام إلى كيان يرى نفسه حاملاً لمشروع أكبر من الدولة نفسها.
من هنا تبدو تجربة حكم الإخوان لمصر أقرب إلى اختبار تاريخى لأفكار تراكمت على مدى عقود طويلة. فالجماعة لم تنشأ أصلاً كحزب سياسى يسعى إلى تداول السلطة داخل الدولة الوطنية، بل نشأت باعتبارها حركة دعوية واجتماعية وتنظيمية تحمل تصوراً خاصاً للإصلاح والتغيير.
ومع مرور الزمن اكتسب التنظيم ثقله الخاص، وأصبحت له مؤسساته وشبكاته وآلياته الداخلية التى تضمن استمراره وتماسكه. وعندما وصل إلى الحكم وجد نفسه أمام سؤال لم يسبق أن واجهه بهذا الشكل: كيف يتحول تنظيم نشأ خارج الدولة إلى قوة تدير الدولة نفسها؟
هنا ظهرت الأزمة الحقيقية. فإدارة الدولة تختلف جذرياً عن إدارة التنظيم. الدولة تتعامل مع مجتمع كامل بتنوعاته ومصالحه واختلافاته. والدولة تحتاج إلى مؤسسات مستقرة تتجاوز الولاءات الخاصة، بينما تعتمد التنظيمات بطبيعتها على الروابط الداخلية التى تمنحها القدرة على الاستمرار.
ولهذا لم يكن الخلاف الذى انفجر فى المجال العام خلال عام 2013 متعلقاً فقط بقرارات سياسية بعينها، بل كان يعكس صعوبة التوفيق بين منطقين مختلفين فى إدارة المجال العام. وبعد أكثر من عقد على تلك الأحداث، ربما يصبح من المفيد النظر إلى «30 يونيو» بعيداً عن سجالات اللحظة السياسية.
فالقضية الأهم التى كشفتها تلك التجربة لا تتعلق بشخص أو حكومة أو انتخابات، وإنما تتعلق بسؤال ما زال مطروحاً فى كثير من المجتمعات العربية: ما حدود العلاقة بين الدولة والجماعات العقائدية المنظمة؟ وأيهما يجب أن يكون الإطار الأعلى للولاء والانتماء السياسى؟
لقد قدمت التجربة المصرية إجابة عملية عن هذا السؤال. فالدول قد تتغير حكوماتها وتتعاقب إداراتها وتختلف توجهاتها، لكنها تظل مطالبة بالحفاظ على فكرة الدولة نفسها بوصفها الإطار الجامع لكل المواطنين. أما الجماعات، مهما بلغ حضورها أو نفوذها، فتبقى جزءاً من المجال العام لا بديلاً عنه.
وربما كان هذا أحد أهم الدروس التى تركتها «30 يونيو» فى الوعى السياسى المصرى خلال العقد الأخير. ولعل القيمة الحقيقية لذكرى «30 يونيو» لا تكمن فقط فى استدعاء أحداث الماضى أو استعادة تفاصيل الصراع السياسى الذى شهدته تلك المرحلة، بل فى إعادة التفكير فى الأسئلة التى كشفتها التجربة ذاتها.
فالدول لا تُقاس بقدرتها على إدارة الأزمات فحسب، وإنما بقدرتها على حماية المجال العام من التحول إلى ساحة تتنافس فيها الولاءات الخاصة على حساب المصلحة الوطنية الجامعة. وقد أظهرت التجربة المصرية أن بناء الدولة عملية أكثر تعقيداً من الفوز فى الانتخابات، وأن الشرعية السياسية لا تكتمل إلا بوجود توافق واسع على قواعد اللعبة ومؤسساتها وحدودها.
وربما يبقى الدرس الأهم أن قوة أى دولة لا تُقاس بحجم مؤيديها أو خصومها، وإنما بقدرتها على البقاء إطاراً جامعاً يتسع للجميع، ويعلو على كل الجماعات والتيارات والتنظيمات، لأن الدولة فى النهاية ليست طرفاً فى الصراع، بل هى المساحة التى تجعل السياسة ممكنة أصلاً.