سير بعض المتصوفات (3)

هناك اثنتان من عابدات أو متصوفات اليمن، الأولى هى «حسناء بنت فيروز» وهى من متعبدات اليمن، فكانت تقول: «إلهى حتى متى تدع أولياءك تحت التراب والثرى، ألا تقيم القيامة حتى تنجز لهم ما وعدتهم؟».

والثانية هى «خنساء بنت رخدم» التى كانت صوامة، وقيل إنها قد صامت أربعين يوماً حتى لصق جلدها بعظمها، وكانت إذا جنّ الليل، وهدأت العيون تنادى بصوت لها حزين: يا حبيب المطيعين إلى كم تحبس جذوع المطيعين فى التراب، ابعثهم حتى يتخيروا موعد الصادق..

وهناك «نسية بنت سلمان» التى كانت تقول لزوجها يوسف بن أسباط: «الله سائلك عنى، لا تطعمنى إلا حلالاً، ولا تمد يدك إلى شبهة بسببى»، وحين أنجبت، نظرت إلى ولدها، وقالت: «يا رب لم ترنى أهلاً لخدمتك فشغلتنى بالولد». وتوجد «أم طلق العارفة» التى كانت تقول: «ما ملكت نفسى ما تشتهى منه جعل الله لى عليها سلطاناً»، وقالت أيضاً: «النفس مَلِك إن نعمتها ومملوك إن أتعبتها».

وتوجد «فاطمة البردعية» التى سُئلت عن قول النبى متحدثاً عن ربه (أنا جليس من ذكرنى). فامتنعت عن الحديث ساعة، ثم قالت: «لا، ولكن أتم الذكر أن تشهد ذكر المذكور لك مع دوام ذكرك له فيفنى ذكرك فى ذكره ويبقى ذكره لك حين لا مكان ولا زمان».

وهناك «عائشة الدينورية» التى سئلت عما أوصاها به الصوفى إبراهيم بن شيبان، فقالت: دخلت عليه وأنا أريد الحج فقلت أوصنى بشىء يحملنى فى الطريق. فقال: إذا خرجتِ من عتبة دارك ووضعت قدماً فلا تأملى أنك ترفعين الأخرى حتى يكون قبرك هناك.

قالت فكان ذلك الذى حملنى فى الطريق، ثم قالت: حضرته عند وفاته فقلت أوصنى بشىء، فقال تبركى بكل ما يدفعه إليك الشيوخ.

وهناك «أمة الحميد بنت القاسم» التى كانت تخدم أبا سعيد الخراز، ونقلت عنه قوله: «الواصلون قوم أدخلت قلوبهم خزائن الأنوار فأناخت بين يدى الجبار». وطلبت منه ذات يوم أن يوصيها، فقال لها: «راقبى الله تعالى فى سرك، واتبعى أوامره على ظاهرك، واجتهدى فى قضاء حوائج المسلمين والقيام بخدمتهم، تصلى بذلك إلى مقام الأبرار إن شاء الله عز وجل».

ومن صاحبات أبى سعيد الخراز امرأة اسمها «فاطمة بنت عبدالله، المعروفة بجويرية» وكانت تقول: «أول هم يرد على العارف يقطعه عن كل شىء إنما ذلك نظر من الله لهم ليطهرهم عن كل شىء بذلك».

وفى نيسابور كانت هناك خمس متصوفات على أزمنة متعاقبة، الأولى هى «عائشة امرأة أبى حفص النيسابورى»، وكان يبكى كثيراً، فسألته عن هذا، فقال لها: «بكاء الصادق أن يبكى ويبكى على بكائه أنه غير صادق فى بكائه، لعل الله تعالى ألا يرضى منه ذلك البكاء فبكاؤه على قلة صدقه فى بكائه أنفع له من ابتداء بكائه، لأنه لا يرفع للعبد حال إلا بنقصانه عنده».

والثانية وهى زوجة أخرى لأبى حفص النيسابورى أيضاً اسمها «صفراء الرازية»، فأقام عندها مدة فى مدينة الرى، فلمَّا أراد أن يخرج من الرى قال لها: إن أردتِ أن أطلقك وأدفع إليك مهرك حتى أقفل فإنى خارج ولا أدرى متى أصل إليك. فقالت لا أختار ذلك، ولكن دعنى أكن فى حبالتك وتلحقنى بركات ذلك، وأكن فى ذكرك ودعائك. وقالت لأبى حفص وقت خروجه من عندها: علمنى كلمة أحفظها عنك.

فقال لها: اعلمى أن أعرف الناس بالله أشدهم خوفاً منه وخشية له وأكثرهم محبة له.

من آثر خدمته على جميع حركاته ولا يتحرك إلا له ولا يسعى إلا فى مرضاته.

وقالت له: أوصنى، فقال: «أوصيك بلزوم البيت، والدنو من المحراب، والقراءة من القرآن ما تحفظته، وملازمة الصمت، وترك ما لا يعنيكِ، والقيام بمنافع الناس على حسب الطاقة».