سير بعض المتصوفات (5)

كانت هناك امرأة تسمى «فاطمة أم اليمن» صاحبة حال وفهم وكلام حسن، وقيل إنها كانت تتوجه إلى الله وتخاطبه: «كيف لا أرغب في تحصيل ما عندك وإليك مرجعي، وكيف لا أحبك وما لقيت خيراً إلا منك، وكيف لا أشتاق إليك وقد شوقتني إليك». ونقل عنها قولها: «لا ينتفع العبد بشيء من أفعاله كما ينتفع بطلب قوته من حلال». وكانت ترى أن «الزاهد طالب حظه، لأنه يطلب الاستراحة من طلب الدنيا وتعبها لا غير». وذات يوم مرت بها قافلة ذاهبة إلى الحج، ولم تكن هي قادرة على الذهاب إلى الحجاز، فراحت تقول: «هذه حسرة من انقطع عن الوصول إلى البيت فكيف ترى حسرة من انقطع عن الوصول إليه»، ثم بكت وهي تقول «واه ضعفاه.. واضعفاه»، ثم أنشدت:
«دعوني واتباعي ركابكم أكن.. طوع أيديكم كما يفعل العبد
وما بال رغمي لا يهون عليهم.. وقد علموا أن ليس لي منهم بد».


وكانت «عمرة الفرغانية» واحدة وقتها خلقاً وفراسة، وهو ما تظهره أقوالها من قبيل: «ميراث الصمت الحكمة والتفكير، ومن أنس بالخلوة مع العلم أورثه ذلك أنساً من غير وحشة». و«من خدم الأحرار والفتيان أورثه ذلك عزاً عند الخلق، ومهابة في أعينهم، ودلّه ذلك على رشده، وبلغه درجات الأولياء». وسئلت ذات يوم: هل يوافق العارف الزاهد؟ فأجابت: إن وافق الحي الميت وافق العارف الزاهد. كما سئلت: كيف عرف موسى عليه السلام أن الذي يسمعه كلام الله تعالى؟ فقالت: لأن ذلك الكلام أفنى عنه أوصافه وبغض إليه بعد ذلك كلام الخلق. وسئلت: ما الحكمة في أن الجنب والحائض منهيان عن قراءة القرآن دون التسمية؟ فقالت: لأن التسمية ذكر اسم الحبيب، والحبيب لا يمنع من ذكر الحبيب.


وهناك «أختا أبي سليمان الداراني عبدة وآمنة» وتوصفان بأنهما كانتا من العقل والدين بمحل عظيم. ونقل عن عبدة قولها: «الزهد يورث الراحة في القلب وسخاء النفس بالمال». و«العاقل من يحفظ صلاح إخوانه لا من يتبع مرادهم». أما آمنة فيقول الداراني إنه سمعها تقول: «الفقراء كلهم أموات إلا من أحياه الله بعز القناعة والرضا بفقره».


وكانت «عائشة امرأة أحمد بن السري المروزية» من المتصوفات، ومن أقوالها العميقة: «عقل العارف مرآة قلبه، وقلبه مرآة نفسه، وروحه مرآة عقله، وسره مرآة روحه، والتوفيق نور المرآة، ودقة البصيرة في المرآة تظهر الخطأ من الصواب»، وكانت تحرص على صلاة الجماعة، وتقول هنا: «من لم يحرص على التكبيرة الأولى والجماعة فهو على الصلاة أقل حرصاً»، كما كانت تفضل مصاحبة الفقراء، وتقول عن نفسها في هذا: «ما أكلت قط أتهنى بها إلا أكلة مع فقير أو في متابعة فقير أو في مشاهدته».


وكانت تجل الفقراء أيضاً «أم عبدالله امرأة أبي عبدالله السجزي» وكانت تقول: «من احتقر الفقراء لا يكون له همة بالله ولا حال»، ونادت بالتقرب إلى المتصوفة، فقالت: «صحبة الإخوان في الدنيا نعيم دار الدنيا وأهلها»، وكانت زاهدة في متع الحياة، وهنا قالت: «العيش في لقاء من شرح صدرك بلقائه وبذلك على الإقبال على الله والإعراض عن الدنيا وأهلها».


وهناك «فطيمة امرأة حمدون القصار» التي وصفت بأنها كبيرة الحال عظيمة القدر، وقد حكي عنها أن لها في التصوف أقوالاً معتبرة منها: «من أخلاق الصوفي في المعاشرة أن من قصده قبله ومن غاب عنه لا يفتقده ومن عاشره تخلق معه ومن كره عشرته لم يجبره على صحبته»، و«من عرف نفسه لم يتسم إلا بالعبودية ولا يفتخر إلا بمولاه»، و«عمارة القلب بالإعراض عن الدنيا وخراب القلب بالاستعانة بالخلق»، و«من أبصر نعم الله عليه شغله القيام بشكرها عن كل شيء». وسئلت فطيمة عن العاقل قالت: «من يحيا قلبك بمجالسته».