«الرشيد» وجعفر البرمكي

بدأ الحكم العباسي بشراكة عربية فارسية، أعقبها انقلاب من جانب العرب على الفرس، لكن ذلك لم يمنع من تكرار المشاهد التي ظهر فيها المكون الفارسي داخل قصور الحكم العباسي العربي.

تجد ذلك حاضراً في تجربة حكم الخليفة هارون الرشيد مع وزيره جعفر بن يحيى البرمكي. والبرامكة أسرة فارسية الأصل، تميز أفرادها ببراعة في إدارة الدولة وتسيير دولاب العمل بها، وقد لعبوا دوراً مهماً داخل قصر «الرشيد»، الخليفة العباسي الذي اعتمد على البرامكة اعتماداً كبيراً، واشتهر في عصره الوزير «جعفر البرمكي»، الذي اعتبره البعض الحاكم الفعلي للدولة في عصر الرشيد، فقد كان نفوذه كبيراً في صناعة القرار، خصوصاً بعد أن تمكن من تحقيق ثراء هائل، جعله سخياً مع الناس فأحبوه وزادت شعبيته بينهم، وساعده على السيطرة أكثر وأكثر على البلاد اتجاهه إلى تعيين أقاربه من البرامكة في شتى المواقع الوظيفية، ما مكنه من السيطرة على مفاصل الدولة.


أصبح التغلغل الفارسي في الدولة العباسية في عصر الرشيد الموضوع الأبرز على لسان كبار العباسيين، الذين ساءهم أن يقرّب الخليفة جعفراً وأباه وأشقاءه في الوقت الذي يستبعد فيه أفراد الأسرة العباسية، وبدأ هؤلاء يوقعون بين الخليفة ووزيره، حتى قرر قتله والتخلص منه.

وقد تعددت الأسباب التي قدمها كتاب التراث لتبرير خطوة التخلص من جعفر البرمكي. فقد قيل إن توتر العلاقة بين الخليفة والوزير سببها علاقة الحب التي نشأت بين جعفر والعباسة أخت هارون الرشيد، ويشير «ابن الأثير» في «الكامل في التاريخ» إلى أن «الرشيد» زوّج أخته العباسة من «جعفر» على الورق حتى يكون جلوسه إليه وإلى شقيقته شرعياً ولا يتحدث أحد به، فحدث أن اختلى «جعفر» بـ«العباسة» وأنجب منها، فلما علم الخليفة بالأمر انقلب عليه وقرر قتله.


ويصعب قبول هذه الحكاية كسبب لتوتر العلاقة بين الرشيد وجعفر، والأرجح أن المسألة أبعد من ذلك وأعمق، وكانت ترتبط بالأساس بواقعة أحس الخليفة فيها بأن الوزير جعفر وعائلته من البرامكة ميالون إلى الفرع العلوي من أهل البيت، ويريدون التمكين لهم والإطاحة بالعباسيين، فقد حدث أن قبض عساكر الرشيد على واحد من كبار العلويين وهو «يحيى بن عبدالله»، فعهد به الخليفة إلى جعفر البرمكي ليقوم بحبسه، وقد التقاه «جعفر» مرة في السجن وتحدث إليه، فحذره «يحيى» من أن يشارك في الظلم الواقع عليه، وأن يتقي يوماً يكون خصمه فيه محمد، صلى الله عليه وسلم، فما كان من «جعفر» إلا أن أفرج عنه، واستغل كبار أعضاء الأسرة العباسية هذا الموقف وأبلغوا الرشيد، وأكدوا بداخله فكرة أن البرامكة يريدون الانقلاب عليه وعلى العباسيين، فما كان منه إلا أن أمر بقتله.


هكذا انفضت صفقة الشراكة في الحكم التي جمعت بين العرب والفرس داخل القصر العباسي، حين كان العرب الأمراء والفرس الوزراء.