«السيسي» يرسم خريطة الجمهورية التعليمية الجديدة

عبير فتحي

عبير فتحي

كاتب صحفي

حمل الاجتماع الأخير بين الرئيس عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء ووزير التعليم العالي والبحث العلمي رسائل مهمة تؤكد أن الدولة المصرية تنظر إلى التعليم العالي باعتباره أحد المحركات الرئيسية لتحقيق التنمية الشاملة خلال السنوات المقبلة. فاللقاء لم يقتصر على استعراض خطط الوزارة ومشروعاتها، بل عكس رؤية متكاملة تستهدف بناء منظومة تعليمية وبحثية قادرة على دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز مكانة مصر إقليمياً ودولياً.


وتحمّست بشدة للمحاور التي تناولها الاجتماع، وسعي الدولة إلى تحويل مصر إلى مركز إقليمي ودولي للتعليم العالي والبحث العلمي والابتكار. ويعكس هذا التوجّه إدراكاً متزايداً للدور الذي يلعبه التعليم في تعزيز القوة الناعمة لمصر، وتحقيق عوائد اقتصادية مستدامة.
فمصر تمتلك اليوم بنية تعليمية واسعة تضم عشرات الجامعات الحكومية والخاصة والأهلية والتكنولوجية، إلى جانب أفرع جامعات أجنبية من أفضل الجامعات العالمية، وهو ما يوفر قاعدة قوية يمكن البناء عليها لتحقيق هذا الهدف الطموح.


كما أكدت توجيهات الرئيس أهمية استمرار تطوير منظومة التعليم العالي، باعتبارها جزءاً أساسياً من عملية بناء الإنسان المصري. ولم يعد دور الجامعات مقتصراً على منح الشهادات الأكاديمية فقط، بل أصبح مطلوباً منها إعداد خريجين يمتلكون المهارات والخبرات التي تحتاجها سوق العمل المتغيرة باستمرار، ومن هنا تأتي أهمية التركيز على برامج التدريب العملي وتنمية المهارات التقنية والرقمية واللغوية، بما يرفع من قدرة الخريجين على المنافسة محلياً ودولياً. وهناك موضوع آخر في غاية الأهمية جرى استعراضه خلال الاجتماع، وهو قضية تطوير أداء أعضاء هيئة التدريس والتحول الرقمي داخل المؤسسات الجامعية. فالتعليم الحديث لا يمكن أن يُحقّق أهدافه دون كوادر أكاديمية مؤهلة وقادرة على مواكبة التطورات العالمية في أساليب التدريس والبحث العلمي.


وفي هذا السياق، جاءت توجيهات الرئيس بضرورة توسيع الشراكات مع الجامعات والمؤسسات الدولية المرموقة، وهو توجّه يحمل أهمية استراتيجية كبيرة. فهذه الشراكات لا تقتصر على تبادل الخبرات الأكاديمية فقط، بل تتيح نقل المعرفة والتكنولوجيا الحديثة، وتوفّر فرصاً للبحث المشترك، وتُسهم في رفع التصنيف الدولي للجامعات المصرية.


ويكتسب هذا التوجّه أهمية أكبر في ظل ما يشهده العالم من سباق متسارع نحو امتلاك المعرفة والتكنولوجيا، حيث أصبحت الجامعات القوية إحدى أهم أدوات بناء الدول الحديثة. ولذلك فإن الاستثمار في التعليم العالي لا يُعد إنفاقاً تقليدياً، بل استثمار مباشر في مستقبل الدولة وقدرتها على المنافسة، لأن الجامعة الناجحة لا تخرّج طالباً فقط، بل تصنع عقلاً قادراً على التفكير والإبداع والمشاركة في حل مشكلات المجتمع.


ومن الملفات التي تستحق التوقف عندها أيضاً، التركيز على ربط البحث العلمي بالصناعة واقتصاد المعرفة. فالتحدي الحقيقي لم يعد في زيادة عدد الأبحاث المنشورة، وإنما في تحويل نتائج هذه الأبحاث إلى منتجات وخدمات ومشروعات اقتصادية قادرة على خلق فرص عمل وتحقيق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، ولهذا فإن دعم الابتكار وريادة الأعمال وإنشاء بيئات حاضنة للمشروعات التكنولوجية يمثل خطوة ضرورية نحو تحقيق الاستفادة القصوى من القدرات البحثية الموجودة داخل الجامعات المصرية.


كما أن الاهتمام بالطلاب الوافدين يُمثل فرصة حقيقية لتعريف العالم بصورة مصر الحديثة، بما تمتلكه من أمن واستقرار ومؤسسات تعليمية متنوعة وتجربة ثقافية ثرية. وكل طالب أجنبي يدرس في مصر يمكن أن يصبح لاحقاً سفيراً لها في بلده، وهو ما يُعزّز تأثير مصر العلمي والثقافي والإنساني على المدى الطويل.


كما يكتسب مشروع «تصدير التعليم المصري» أهمية خاصة في ظل المنافسة العالمية المتزايدة على جذب الطلاب الدوليين، فاستقطاب الطلاب الوافدين لا يُحقّق عوائد اقتصادية فقط، بل يسهم أيضاً في تعزيز الحضور الثقافي والعلمي لمصر على الساحة الدولية. ومن هنا تبدو أهمية التوسّع في البرامج المشتركة مع الجامعات العالمية المرموقة، وتوفير منح دراسية وفرص للحصول على درجات علمية مزدوجة، بما يجعل الجامعات المصرية أكثر جاذبية للطلاب من مختلف الدول.


وتتوافق هذه التوجّهات بصورة واضحة مع أهداف رؤية مصر 2030 التي تضع التعليم والابتكار وبناء اقتصاد المعرفة في صدارة أولوياتها، فالتنمية المستدامة لا تتحقّق بالمشروعات والبنية التحتية وحدها، بل تحتاج إلى منظومة تعليمية قادرة على إعداد أجيال تمتلك المعرفة والمهارات اللازمة لقيادة المستقبل.


في النهاية.. أريد أن أشير إلى نقطة مهمة، وهي أن تحقيق هذه الأهداف سيظل مرهوناً بقدرة الجهات المعنية على تحويلها إلى برامج تنفيذية واضحة وقابلة للقياس، مع استمرار المتابعة والتقييم. كما أن التركيز على التخصّصات المستقبلية مثل الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجدّدة والتكنولوجيا المتقدّمة، ودعم الجامعات التكنولوجية، وتحفيز الباحثين على تقديم حلول عملية لمشكلات المجتمع، كلها خطوات يُمكن أن تعزّز فرص تحقيق الأهداف المنشودة، وتدفع الجامعات المصرية إلى أداء دور أكثر تأثيراً في خدمة التنمية، وبناء اقتصاد قائم على المعرفة، وترسيخ مكانة مصر كدولة قادرة على المنافسة إقليمياً ودولياً في مجالات التعليم والبحث العلمي والابتكار.