استراتيجية البقاء الاضطرارية
بعد سلسلة اغتيالات عديدة نفذتها إسرائيل في غزة، طالت قيادات بارزة في كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، مثل عز الدين الحداد ومحمد عودة وآخرين، بات خطر تتبع قيادات وازنة في الحركة واغتيالهم على رأس اهتمام الحركة، بدأت حماس تفكر في قيادة جماعية (مجلس قيادي) بدلاً من قائد بارز واحد لتقليل الخسائر وصعوبة الاستهداف، ما يعكس استراتيجية تكيف حماس مع صعوبة الضغط العسكري والاستخباراتي المستمر، حيث أدى اغتيال قيادات الصف الأول إلى فراغ قيادي حاد، الأمر الذي دفع الحركة إلى هذا النموذج، توزيع الصلاحيات قد يحمي ما تبقى من الصف القيادي، ويصعب مهمة الاستخبارات الإسرائيلية في تحديد رأس الهرم، لكن التحول نحو اللامركزية يطرح تحديات جديدة أمام الحركة في التنسيق والاتصال وسط بيئة مراقبة شديدة. منذ اغتيال الشيخ أحمد ياسين، الأب الروحي للحركة، وعبدالعزيز الرنتيسي عام 2004 استخدمت حركة حماس نموذجاً جماعياً سرياً لتجنب الاستهداف، والآن تعيد الحركة بعد سلسلة الاغتيالات الأخيرة، تفعيل هذا النموذج بشكل أكثر تركيزاً على الجانب العسكري. فبعد وقف إطلاق النار استمرت إسرائيل في «الاستهداف الذكي» للقيادات، مما يجعل أي قائد فردي حكم إعدام مؤجلاً.
من منظور الحركة فإن مزايا هذا النموذج الحماية الأمنية أولاً، فتوزيع الصلاحيات يشتت بنك الأهداف الإسرائيلي، إذ لا يوجد رأس هرم واحد يمكن تصفيته لإحداث فراغ كبير، واغتيال عضو واحد لا يوقف المنظومة بأكملها. كذلك يعزز النموذج الاستمرارية ويحافظ على الديناميكية العسكرية دون توقف طويل لتعيين خليفة. ورغم ذلك فإن هناك تحديات وربما سلبيات لهذا التحول اللامركزي، خاصة فيما يتعلق بصعوبة التنسيق، القيادة الجماعية قد تبطئ عملية اتخاذ القرارات الاستراتيجية الكبرى، مثل عمليات واسعة أو مفاوضات، ذلك بسبب الحاجة للتوافق بين أعضاء المجلس، في بيئة حساسة ومراقبة إسرائيلية عالية التقنية مثل (الطائرات بدون طيار، أجهزة الاستخبارات)، الأمر الذي يصعب الاتصال الآمن بين القادة، فضلاً عن مخاطر احتمالية التنافس الداخلي، فقد تنشأ خلافات أو صراعات على النفوذ بين الأعضاء أو الأولوية مما يضعف التماسك، خاصة في وضع غزة المدمر بالكامل، وقيود الاتصالات التي قد تؤدي إلى عمليات أكثر استقلالية، ورغم أن هذا التحول اضطراري للبقاء للحفاظ على التماسك الداخلي وفرضته ظروف الميدان، فإنه نجح في الماضي، رغم أن حماس تعتمد الآن أكثر على خلاياها الميدانية المحلية، والتنسيق غالباً يكون لا مركزياً مع الحفاظ على قنوات اتصال مشفرة، ما يسمح باستمرار المقاومة واستمرارية الصمود، ويقلل من تأثير الاغتيالات، إذ لا يوجد رأس هرم، وهو ما يسمح للحركة بالحفاظ على موقف موحد نسبياً رغم الضغوط.
كما أنه يشارك فيه قادة سياسيون خارجيون، وقادة ميدانيون متبقون في غزة، وهو ما يعطي مرونة في التواصل مع الوسطاء مصر وقطر وأمريكا ويحمي المفاوضين من الاستهداف، ويسمح بالتشاور الواسع داخلياً قبل اتخاذ مواقف حاسمة، مثل رفض نزع السلاح الكامل، أو ربط التقدم بالتزامات إسرائيل في المرحلة الأولى، وهذا يجعل حماس أقل عرضة للانقسامات العلنية.
القيادة الجماعية تحمي حماس من الانهيار، وتعزز صمودها في المفاوضات طويلة الأمد، لكنها تبطئ العملية وتقلل من المرونة في تقديم التنازلات الكبيرة، مثل إصرار حماس على التمسك بموقف صلب من قضية نزع السلاح الكامل، وفي النهاية يبقى هذا النموذج استراتيجية بقاء اضطرارية، ويجعل حماس أكثر قدرة على الصمود مقابل صعوبة المعطيات الموجودة على الأرض، والتباطؤ في تنفيذ الاتفاق بمراحله الثلاث، وصعوبة الانتصار السريع، خاصة أن المفاوضات متعثرة ولا تحظى بالاهتمام الدولي المتوقع بسبب الحرب على إيران، فالتحديات مستمرة والحرب لم تحط أوزارها بعد، وإسرائيل مستمرة في سياسة القصف والقتل والاغتيال.