من «الشاه» إلى «الإمام»
ظلت بلاد فارس خاضعة للمذهب السنى، وهو المذهب الرسمى الذى تبنته الدولة العباسية، التى دام ملكها لأكثر من خمسة قرون، وسيطرت على العالم الإسلامى حتى سنة 1258 ميلادية، بعدها ظهر المماليك، بعد أن تمكنوا من كسر الهجوم المغولى على الدول الإسلامية، والمغول من نجحوا فى إسقاط الخلافة العباسية فى بغداد، وبعد هذا التاريخ بما يقرب من قرنين ونصف، وتحديداً مع أوائل القرن السادس عشر الميلادى، تمكن الشاه إسماعيل الصفوى من السيطرة على بلاد فارس، وأنشأ ما أطلق عليه الدولة الصفوية، وتبنى المذهب الشيعى وجعله المذهب الرسمى للدولة.
يعنى ذلك أن إيران دخلت تحت مظلة المذهب الشيعى منذ ما يزيد قليلاً على خمسة قرون (تحديداً عام 1502م)، وقد كان صانع القرار فى الدولة الصفوية مدفوعاً بأسباب سياسية وهو يدخل تحت مظلة هذا المذهب، فقد أراد إسماعيل الصفوى أن يدمج أهل فارس فى هذا المذهب وذلك فى مواجهة المحيط السنى به، سواء على مستوى الهند أو تركيا، أو الدول العربية القريبة منه، وقد خاضت الدولة الصفوية الشيعية صراعاً دامياً تواصل لعدة سنوات مع القوة السنية التركية الصاعدة (العثمانيين)، وتمكن العثمانيون من هزيمة الصفويين فى أكثر من معركة، ثم نجحوا فى تأسيس خلافتهم السنية، وسيطروا على الدول العربية، مثل الشام (1516) ومصر (1517)، وبقيت إيران دولة مستقلة مترامية الأطراف تشكل كياناً شيعياً وسط الدول والشعوب السنية المحيطة بهم.
سنوات طويلة عاشتها إيران لم تكن لها طموحات ذات بال فيما وراء حدودها، خصوصاً فى عصر الحكم البهلوى الذى أسسه «رضا بهلوى» الذى قاد رحلة تحديث إيران، وواصل من بعده الشاهنشاه محمد رضا بهلوى، الذى تمكن الإمام آية الله روح الله الخومينى من الإطاحة به فى ثورة ضخمة عارمة، قادها رجال الدين عام 1979.
منذ ذلك التاريخ بدأ الصراع ما بين العرب والفرس يطل من جديد.
فالكثير من الدول العربية القريبة والمتاخمة لإيران كانت تخشى من تصدير الثورة إليها، وقد كان «الخومينى» صريحاً وواضحاً فى دعوة الشعوب الإسلامية إلى سلوك الطريق الذى مشى فيه الشعب الإيرانى، حين واجه قوى الاستكبار فى الداخل والخارج.
وقد أزعجت هذه الدعوة العرب أشد الإزعاج، فتبنوا موقفاً معادياً من النظام الدينى داخل إيران، واتجه النظام الإيرانى فى المقابل إلى بناء عدد من الأذرع السياسية والعسكرية التى تشاركه المذهب وتعمل تحت مظلة أهدافه السياسية فى المنطقة داخل عدد من العواصم العربية.
وقد اكتسبت هذه الأذرع شعبية واضحة داخل العالم العربى بسبب دورها فى مقاومة الأطماع الصهيونية فى المنطقة.
لقد نجح العرب والفرس فى تحويل المذاهب الدينية إلى مذاهب سياسية، وسعى الطرفان إلى توظيف التشيع أو التسنن من أجل تحقيق أهداف سياسية، ولم يكن المذهب الدينى أكثر من ستار تتخفى وراءه الأهداف التوسعية.
وعبر التاريخ كان الخاسر الأكبر من الصراعات المذهبية البائسة هو الإسلام والمسلمين، أما الرابح الأكبر فكلنا يعرفه جيداً!