سير بعض المتصوفات (6)

شهد جبل دامغان عدة متصوفات زاهدات عابدات، الأولى هى «أمة الله الجبلية»، وكانت امرأة عبدالله الجبلى صاحب أبى يزيد البسطامى. ووُصفت بأن لها آيات وكرامات وكانت صاحبة فراسات.

وكانت تخبر زوجها عن أبى يزيد وعن أفعاله وتقول: أبويزيد الساعة يفعل كذا وكذا.

وقد قدِم زوجها مرة على البسطامى فأخبره بذلك وكان على كرسيه يتوضأ، فأخذ أبويزيد بياضاً فبله وضرب به على كرسيه وقال له: قل لها إن كانت صادقة تخبر بذلك وأيش على الكرسى.

فلمَّا خرج عبدالله أخذ أبويزيد البياض من الكرسى، فجاء عبدالله فسأل المرأة عن ذلك فقالت: ليس هنالك شىء، قال عبدالله: الآن علمت أنها كاذبة.

وكان أبويزيد قد أراد بذلك أن يستر سرها عن زوجها.

والثانية هى «زيادة بنت الخطاب الطرزية»، وهى من قرية قومس فى هذا الجبل. وصحب أبوها أبا يزيد البسطامى، وكانت لها كرامات مشهورة وآيات معروفة، وروت الحكايات والحديث عن أبيها الخطاب.

والثالثة هى «فاطمة بنت عمران»، وكانت كبيرة الحال شديدة الوجد كثيرة الاجتهاد، صحبت أبا عبدالله الزاهد، قال عنها الحسن بن على: قدِم علينا أبومحمد الموصلى فلقى فاطمة فقال: هذه رابعة وقتها، وكانت مستجابة الدعوة مقيمة على تعهد الفقراء والغرباء إلى أن ماتت.

والرابعة هى «عبدوسة بنت الحارث»، وكانت خادمة الفقراء فى بلدتها ثلاثين سنة، سألها رجل فقال: ما حالك؟ فقالت: السؤال عن الحال مُحال.

وهناك «مرهاء النصيبية» التى صحبت كبار المتصوفة فى عصرها، وكانت هى تباهى الوهطية أم الفضل، وتقول: «الفقر لباس عز إذا تحقق الفقير فيه».

وكانت «أمة العزيز المعروفة بهورة» واحدة من الصوفيات والعارفات وأرباب الأحوال، وكانت من أفتى وقتها فى النساء.

وحكى عنها أبونصر بن مارويه، فقال: دخلت امرأة عليها وعليها جبة صوف وقميص صوف فقالت لها: من لبس الصوف يجب أن يكون أصفى الناس وقتاً، وأحسن الناس خُلقاً، وأكرم الخلق حركة، وأعذب الناس طبعاً، وأجودهم نفساً، وأسخاهم يداً، كما تميَّز عن الخلق بلباسه كذلك يتميَّز عنهم بأوصافه.

وكانت للمتصوفة «قريشة النسوية» أقوال لافتة، منها: «خلق الله تعالى الجنة لمن يعبده ويخافه لا لمن يعصيه ويتمنى عليه»، و«مكابدة الصمت أيسر من اعتذار بكذب»، وقالت يوماً للنصرآباذى: ما أحسن أقوالك وأوحش أخلاقك. وقال لها يوماً: اسكتى، فقالت: اسكت حتى أسكت.

وقال لها مرة أخرى: لا تحضرى، فقالت: لا تدعُنا حتى لا نحضرك. وكانت تقول: «ما هيمتنى إلا الظنون لو تحققت فى شىء لخرست وحمدت وظهرت على بركاته».

وتوجد «أم الحسين بنت أحمد بن حمدان» وكانت تقول: «من أحب أن تصح له طريقة الفقر فليختر من الفراش التراب ومن الأطعمة الجوع ومن السرور الهم ومن القبول الرد ومن العز الذل»، وتقول: «إن الله تعالى لم يجعل لأنفس المؤمنين ثمناً إلا الجنة وجعل قلوبهم محلاً لنظره، فلا تبيعوا أنفسكم بالدون من العروض، وطالعوا موضع نظر الله تعالى أن يكون مصوناً عما لا يرضاه».