«من بيت لحم إلى دير المحرق».. محطات وخطى مقدسة في أرض وادي النيل

كتب: مريم شريف

«من بيت لحم إلى دير المحرق».. محطات وخطى مقدسة في أرض وادي النيل

«من بيت لحم إلى دير المحرق».. محطات وخطى مقدسة في أرض وادي النيل

قبل أكثر من ألفى عام عبرت العائلة المقدسة حدود مصر هرباً من بطش ملك خائف على عرشه فلم يكن معها جيش ولا ثروة بل كانت أسرة صغيرة تحمل طفلاً رضيعاً وأماً شابة ورجلاً يبحث عن مأوى آمن لعائلته، لكن تلك الرحلة التى بدأت كقصة لجوء وبحث عن الأمان فى أرض مصر، أسست مع مرور القرون دروباً من البركة فى أرض وادى النيل، صانعة تراثاً خالداً تتبارك منه الأجيال حتى اليوم.

ولم تكن رحلة العائلة المقدسة إلى مصر مجرد واقعة عابرة فى تاريخ الديانة المسيحية فقط، بل كانت حدثاً استُثنيت به أرض مصر ليترك لها آثاراً وبركات لشعبها ودرباً يحج إليه الكثيرون على مدار ما يزيد على ألفى عام، فبينما كان الملك هيرودس حاكم اليهودية الذى وُلد يسوع فى أواخر أيامه، يعيش هاجس فقدان عرشه بعد سماعه نبوءات تتحدث عن ميلاد «ملك اليهود» بدأت تلك الرحلة المقدسة التى حملت السيدة العذراء مريم والطفل يسوع والقديس يوسف النجار من أرض فلسطين إلى مصر بحثاً عن الأمان.

وجاءت بداية هذه الرحلة بعدما أصدر الملك هيرودس أوامره بقتل أطفال بيت لحم خوفاً من الطفل الذى بشّرت النبوءات بأنه سيكون ملكاً، عندها ظهر ملاك الرب للقديس يوسف النجار وأمره أن يأخذ الطفل يسوع وأمه مريم ويهرب إلى مصر ومنذ تلك اللحظة بدأت رحلة طويلة تركت أثرها فى عشرات المدن المصرية التى لا تزال تحتفظ بذكراها حتى اليوم لتتبارك منها الأجيال.

«كمال»: اختيار مصر ملجأ للعائلة المقدسة يؤكد مكانتها فى التدبير الإلهى والتاريخ المقدس.. والرحلة منحتها مكانة استثنائية فى التراث المسيحى العالمى

ومن جانبه قال القمص أثناسيوس جورج فهمى إن أقدم مصدر تحدث عن دخول العائلة المقدسة لمصر، جاء فى ميمر منسوب للبابا ثاوفيلس الـ23 (412-385م)، ويتحدث هذا المخطوط عن زيارة البابا ثاوفيلس لجبل قسقام (دير السيدة العذراء مريم الشهير بالمحرق فى القوصية)، الذى رأى فى رؤياه أن العذراء مريم ظهرت له وحدّثته عن رحلتها فى الطريق لمصر وكيف حملت ابنها الحبيب على كتفها ومعها سالومى التى كانت تحمله ساعة بعد ساعة، وكيف أن العذراء أمه الطاهرة عانت وتعبت فى مشقة رحلتها، حيث كانت تضعه على الأرض لتعلمه المشى مثل الأطفال وكان المسيح يمشى يسيراً ويتعلق بهدب ثوبها وينظر إليها لتأخذه وترفعه إلى حضنها على ذراعيها وتقبله وتناغيه فرحة مسرورة، أما الشيخ يوسف فكان يحمل الطفل يسوع.

وتبدأ القصة كما وردت فى إنجيل القديس متى، عندما شعر الملك هيرودس بالخوف بعد أن سمع من المجوس عن ميلاد «ملك اليهود» الجديد، فقرر التخلص من الطفل يسوع، بعد انصراف المجوس، ظهر ملاك الرب للقديس يوسف النجار فى حلم وقال له: «قم وخذ الصبى وأمه واهرب إلى مصر، وكن هناك حتى أقول لك، لأن هيرودس مزمع أن يطلب الصبى ليهلكه» (متى 2: 13) فأطاع يوسف الأمر الإلهى فوراً، وأخذ الطفل يسوع والسيدة العذراء مريم وسافر بهما ليلاً إلى مصر.

استقرت العائلة المقدسة فى مصر لأكثر من 3 سنوات هرباً من بطش هيرودس، الذى أصدر أمره بقتل أطفال بيت لحم وما حولها فيما عُرف بـ«مذبحة أطفال بيت لحم» وهكذا أصبحت مصر ملجأ آمناً للمسيح الطفل وأمه العذراء والقديس يوسف، فلم تبق الأسرة المقدسة فى مكان واحد داخل مصر، بل تنقلت فى العديد من المناطق من سيناء شرقاً حتى صعيد مصر جنوباً، لتتحول تلك الأماكن التى زارتها فيما بعد إلى مزارات مقدسة وكنائس وأديرة تمثل رحلة حج للمسيحيين فى مناطق مثل الفرما، وتل بسطة، ومسطرد، وبلبيس، وسمنود، وسخا، ووادى النطرون، والمطرية، ومصر القديمة، والمعادى، ثم جبل الطير بالمنيا، والأشمونين، وديروط، وأخيراً جبل قسقام بأسيوط حيث يقع دير المحرق.

ويعد دير المحرق بأسيوط من أهم محطات الرحلة، إذ يذكر تاريخ الكنيسة أن العائلة المقدسة أقامت فيه فترة طويلة نسبياً بلغت نحو ستة أشهر وعشرة أيام، وهناك تلقى القديس يوسف أمراً إلهياً جديداً بالعودة إلى أرض إسرائيل بعد موت هيرودس، ثم سلكت طريق العودة عبر مصر الوسطى والدلتا وصولاً إلى سيناء، ومنها عادت إلى أرض فلسطين واستقرت فى مدينة الناصرة وبذلك انتهت رحلة استثنائية استمرت أكثر من ثلاث سنوات، قطعت خلالها العائلة المقدسة ما يزيد على ألفى كيلومتر بين السير على الأقدام والتنقل عبر النيل.. رحلة بدأت هروباً من الاضطهاد، لكنها تحولت عبر القرون إلى جزء أصيل من الذاكرة المصرية وخلفت عشرات المواقع الدينية والأثرية التى لا تزال شاهدة على مرور العائلة المقدسة بأرض مصر حتى اليوم.

وتركت رحلة العائلة المقدسة آثارا روحية عميقة فى مصر إذ بارك السيد المسيح أرضها وشعبها بحضوره ويربط المسيحيون بين هذه الرحلة ونبوة إشعياء النبى: «مبارك شعبى مصر» (إشعياء 19: 25)، وكذلك النبوة التى اقتبسها القديس متى: «من مصر دعوت ابنى» (متى 2: 15)، وهى إشارة إلى تحقيق قصد الله، وبعد وفاة هيرودس، ظهر ملاك الرب مرة أخرى للقديس يوسف فى مصر وأمره بالعودة إلى أرض إسرائيل فعادت العائلة المقدسة من مصر إلى فلسطين، واستقرت فى مدينة الناصرة بالجليل، وهناك نشأ السيد المسيح حتى بدأ خدمته العلنية.

ومن جانبه، قال الباحث كيرلس كمال الباحث فى التاريخ القبطى، إن رحلة العائلة المقدسة تحتل مكانة خاصة فى وجدان المصريين، إذ تمثل الزيارة الفريدة التى قام بها السيد المسيح إلى مصر مكانة مصر، كما تؤكد الدور المحورى الذى لعبته مصر فى التاريخ المقدس، فضلاً عن كونها رمزاً للحماية الإلهية والطاعة والإيمان والثقة فى تدبير الله.

وأضاف «كمال»، فى تصريحات لـ«الوطن»، أن تلك الزيارة المقدسة تعد من أهم الأحداث الدينية والتاريخية فى التراث المسيحى المصرى، مشيراً إلى أن الكنيسة القبطية والمؤرخين اعتمدوا على مجموعة متنوعة من المصادر لتتبع مسار الرحلة وتوثيق الأماكن التى زارتها العائلة المقدسة، موضحاً أن هذه المصادر تشمل الميامر الكنسية والمخطوطات القديمة وكتابات المؤرخين وسير القديسين، التى أسهمت فى حفظ تفاصيل الرحلة عبر القرون.

وأكد أن رحلة العائلة المقدسة تعد من أبرز الأحداث فى التاريخ المسيحى لما تحمله من أبعاد روحية وتاريخية ولاهوتية عميقة، موضحاً أنها الرحلة الوحيدة التى خرج فيها السيد المسيح طفلاً خارج أرض فلسطين، واختيار مصر لتكون الملجأ الآمن للعائلة المقدسة فى وقت الخطر هو ما منحها مكانة استثنائية فى التراث المسيحى العالمى.

كما أشار إلى أن الرحلة أظهرت أمانة الله فى تحقيق وعوده ونبوءاته الواردة فى العهد القديم، لافتاً إلى أن القديس متى الإنجيلى استشهد بقول النبى هوشع: «من مصر دعوت ابنى» (متى 2: 15)، تأكيداً على أن إقامة المسيح فى مصر كانت جزءاً من التدبير الإلهى، كما ترتبط الرحلة بنبوة النبى إشعياء: «مبارك شعبى مصر» (إشعياء 19: 25)، والتى رأت فيها الكنيسة إشارة واضحة إلى البركة التى نالتها مصر بحضور السيد المسيح على أرضها.

وتابع أن الرحلة كشفت كذلك عن رعاية الله للعائلة المقدسة إذ أنقذ الطفل يسوع من بطش الملك هيرودس الذى أراد قتله، موضحاً أن القديس يوسف النجار استجاب للإرشاد الإلهى وأطاع الأمر بالهروب إلى مصر، وهو ما يعكس أهمية الطاعة والثقة الكاملة فى الله. واختتم «كمال» حديثه قائلاً إن مصر تحتل مكانة استثنائية بين دول العالم المسيحى، كونها البلد الوحيد الذى استقبل السيد المسيح وأمه السيدة العذراء مريم والقديس يوسف النجار خارج أرض اليهودية، والمسيحيون فى مختلف أنحاء العالم ينظرون إلى مصر باعتبارها أرضاً مباركة تشرفت بزيارة السيد المسيح نفسه.


مواضيع متعلقة