مبارك شعبي مصر
احتفلت الكنائس القبطية الأرثوذكسية بعيد دخول العائلة المقدسة أرض مصر، والذى وافق الأول من شهر يونيو، ويُعتبر أحد الأعياد السيدية الصغرى فى الكنيسة الأرثوذكسية، حيث بدأت رحلة مسار العائلة المقدسة فى الهروب من بيت لحم فى فلسطين بسبب اضطهاد هيرودس، الذى كان مزمعاً قتل السيد المسيح، «إذا ملاك الرب قد ظهر ليوسف فى حلم، قائلاً: قم وخذ الصبى وأمه واهرب إلى مصر، وكن هناك حتى أقول لك. لأن هيرودس مزمع أن يطلب الصبى ليهلكه.
فقام وأخذ الصبى ليلاً وانصرف إلى مصر» (مت 2: 13-23).
وقد قال البابا تواضروس الثانى، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، إن المسيحية دخلت إلى معظم دول العالم، ولكن مصر امتازت وانفردت بأن السيد المسيح نفسه دخل إليها وعاش فيها.
وأضاف بطريرك الكرازة المرقسية، خلال كلمته بالاحتفال بهذه المناسبة: «لذلك صارت مصر وطناً وأرضاً مباركة ممتلئة بالنعمة، ونقول فى التعبير الشعبى «عمار يا مصر»، لأنه بالحقيقة هذه الأرض مباركة بالنعمة وبالزيارة وبالتاريخ، وهى أرض محروسة».
كانت المرة الأولى التى أسمع عن «مسار العائلة المقدسة» فى مصر، وأتفقّد مواقعها، فى عهد الدكتور ممدوح البلتاجى، وزير السياحة المصرى الأسبق، رحمه الله، الذى أعدّ المشروع كاملاً، وطبعت وزارة السياحة فى عهده كتاباً عن مسار العائلة المقدسة باللغتين العربية والإنجليزية، وحضرت معه -ضمن مجموعة صحفيين- البروفة النهائية لعرض الفيلم الوثائقى الذى أعدّته الوزارة وكان العرض بكنيسة المعادى.
ترك «البلتاجى» الوزارة ليصبح وزيراً للإعلام، وأغلقت صفحة مهمة فى ذاكرة التاريخ القبطى، قبل أن تكون أحد أنماط السياحة الدينية فى مصر.. ومن ينسب هذا المشروع إلى غير «البلتاجى» كاذب حتى النخاع، وكل من حضروا الإعداد له لا يزالون شهوداً على الحدث.. حتى تاريخ كتاب وزارة السياحة يشهد بذلك! ظل الملف يُفتح ويُغلق، وتخرج تصريحات خجولة متردّدة، حتى قرّر الحبر الأعظم البابا فرنسيس، بابا الفاتيكان الراحل، دعوة مسيحيى العالم وحثهم على زيارة «مسار العائلة المقدسة» فى مصر، والتى تعتبر بمثابة «الحج المقدس».. وأقام البابا فرنسيس آنذاك القداس الذى بارك خلاله أيقونة رحلة العائلة المقدّسة فى مصر عام 2017.. داعياً العالم إلى زيارة مصر.
وألقى الحبر الأعظم كلمة للحاضرين، قال فيها إن مصر بلد السلام، وعاش فيها «يسوع»، وأرض الحضارة والثقافة، ودعا لمصر أن تكون دائماً فى سلام.. وأضاف أنه يتذكر بمودة «الزيارة الرسولية» لأرض مصر الطيبة ولشعبها الكريم، مشيداً بهذه الأرض التى وصفها بأنها (الأرض المباركة عبر العصور، بدم الشهداء والأبرار الثمين، والتى عاش فوقها القديس يوسف والعذراء مريم والطفل يسوع، والكثير من الأنبياء).. وفى ختام كلمته قال البابا إن مصر هى (أرض التعايش والضيافة.. أرض اللقاء والتاريخ والحضارة).
وفى نوفمبر 2022، أعلنت وزارة الثقافة نجاح جهودها، بالتعاون مع وزارة الخارجية، فى تسجيل الاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدّسة على القائمة التمثيلية للتراث الثقافى غير المادى للإنسانية.
وتم بالفعل تسجيل الاحتفالات المرتبطة بـ«رحلة العائلة المقدسة» على القائمة التمثيلية للتراث الثقافى غير المادى، فهى رسالة سلام ومحبة وأمن من الأرض التى احتضنت العائلة المقدسة وأعادت إحياء مسارها، وحافظت عبر مئات السنين على الاحتفاء برحلتها إلى مصر.
من حق كل مصرى أن يفخر بأن مسار العائلة المقدسة فى مصر فهو ملك لكل الإنسانية، ولا يقتصر على ديانة أو مذهب.. وهو توثيق لرحلة أشهر سائح فى العالم، وأقدم رحلة سياحية معروفة وموثّقة تاريخياً ودينياً.. وقد أقر البابا تواضروس الثانى الشعار الرسمى الذى سيُستخدم فى لافتات مشروع إحياء مسار العائلة المقدّسة فى مصر ومطبوعاته، فى ضوء الجهود المبذولة للانتهاء من النقاط الـ25 للمسار بين جميع الجهات المعنية.
وكما قال قداسة البابا تواضروس، بابا الإسكندرية، جملته الشهيرة بأن السيد المسيح أصغر سائح فى العالم.
لكن بكل أسف جذب السياحة لزيارة مزارات رحلة العائلة المقدّسة وهو «الحج المقدس»، يتعثر بسبب ما يواجهه العالم من حروب، وما تواجهه المنطقة من ظروف جيوسياسية.. المبهج أن هذا المنتج السياحى المهم للبشرية قد تم إنجازه.. واستطاعت مصر أن تقدم لمسيحيى العالم رسالة سلام.
حفاوة البابا «تواضرس» فى الاحتفال بهذه الذكرى المقدسة تستدعى دائماً إلى مخيلتى تلك الأيام السوداء التى استهدفت فيها ميليشيات الإخوان الكنائس والقساوسة فى كل مكان، حتى الكاتدرائية المرقسية بالعباسية لم تسلم من الاعتداء، والذى يعد أول اعتداء فى العصر الحديث على المقر البابوى لأقدم كنيسة فى الشرق. فلم تسلم الكاتدرائية من كرات اللهب، وقذائف الهمج من الإخوان!
نحن بكل تأكيد نعيش فى عصر مختلف، عصر يُعلى قيمة المواطنة والمساواة بين كل الأديان والبشر.. صحيح أننا نطمح إلى المزيد، ونراهن على نظام 30 يونيو لتغيير مناخ الحريات الدينية، بحيث تختفى من حياتنا القوانين المكبّلة للإنسان.. وتعلو مدنية الدولة على الكهنوتات الدينية، لكننا نعلم أيضاً صعوبة تحقيق ذلك فى مجتمع تنتشر فيه الأمية والأفكار السلفية والتعصّب الدينى الذى أصبح بمثابة البديل لغياب القدوة الفكرية والثقافية.