الاستمتاع بالحياة.. أسلوب شخصي
إذا توافق الناس أو أنهم تشاركوا في مشاعرهم ناحية شيء ما، فإنهم يختلفون في ألف شيء. كلهم يبحثون عن الاستمتاع بالحياة وبالسعادة؛ لكن لكل منهم طريقه الذي يسلكه لبلوغ غايته. فهذا يجد متعته في مائدة عامرة عليها ما لذ وطاب من أصناف الطعام، وذاك لا تهدأ روحه إلا إذا حمل حقيبته وارتحل إلى مكان جديد يكتشف بلادا لم تطأها قدماه من قبل. وثالث يهرع إلى ملعب أو مضمار أو صالة رياضية، متعته في جسده وهو يتحرك بقوة وحيوية كأنه يكتب له معنى وجوده. وبين هؤلاء من يجد لذته في القراءة أو الموسيقى أو الرسم أو الحديث مع الأصدقاء أو حتى في لحظات الصمت والتأمل.
لا يستمتع الناس بالأشياء نفسها، بالقدر نفسه، ولا يوجد كتالوج لطرق الاستمتاع، ولا يوجد دليل للتدريب على الاستمتاع. يخبرنا علم النفس أن المتعة ليست كامنة في الأشياء ذاتها، بل في العلاقة الخاصة التي تنشأ بين الإنسان وتلك الأشياء.
الطعام ليس مجرد غذاء، والسفر ليس مجرد انتقال إلى مكان آخر، والرياضة ليست مجرد حركة عضلية. جميعها رموز ومعان وتجارب ترتبط بتاريخ الفرد وشخصيته وذكرياته وحاجاته النفسية العميقة. قد يتذكر شخص مائدة أسرته الدافئة كلما تناول طعاما شهيا، فتغدو اللقمة لديه امتدادا للحب والانتماء. قد يجد آخر في السفر تعويضا عن سنوات من القيود أو الروتين، فيتحول الانتقال بين المدن إلى شعور بالحرية والتحرر. أما الرياضي فقد لا يكون مفتونا بالحركة نفسها بقدر افتتانه بالشعور بالإنجاز وتجاوز الحدود التي يفرضها الجسد.
المتعة مرآة للذات، تكشف عما نحتاج إليه أكثر مما تكشف عما نحب. الإنسان لا ينجذب عادة إلى ما يملكه بوفرة، بل إلى ما يشعر أنه يضيف إليه شيئا ينقصه أو يثري جانبا من جوانب وجوده. المجتمع يلعب دورا دورا مهما في تشكيل أذواقنا ومصادر استمتاعنا. نحن لا نولد حاملين قائمة جاهزة بما نحب وما نكره، بل نتعلم ذلك تدريجيا، الأسرة والمدرسة والأصدقاء والثقافة السائدة كلها تسهم في رسم خريطة المتع الخاصة بنا. الطفل الذي نشأ في بيت يقدر الكتب يكتشف متعة القراءة مبكرا، ومن عاش في بيئة تعشق السفر يرى في الترحال جزءا طبيعيا من حياته. ومع ذلك تبقى للفرد بصمته الخاصة، فهو لا يستقبل هذه المؤثرات بصورة آلية، بل يعيد تشكيلها وفق شخصيته وتجربته الفريدة.
أجمل ما في الأمر أن اختلاف مصادر المتعة بين الناس ليس مشكلة تحتاج إلى حل أو تؤرق أحدهم، بل نعمة تستحق التأمل. فلو استمتع الجميع بالشيء نفسه لفقد العالم كثيرا من ثرائه وتنوعه. اختلاف الأذواق يصنع تنوع الفنون والعلوم والمهن والهوايات. ويجعل البشر قادرين على تبادل الخبرات واكتشاف عوالم جديدة. حين يحدثك محب السفر عن مغامراته أو يصف لك عاشق الموسيقى ما يشعر به عند سماع مقطوعة معينة، فإنك تقترب من عالم لم تعشه بنفسك، فتتسع حدود تجربتك الإنسانية.
هل المتعة رغبة تنمو بطريقة معينة؟ هل هي وليدة التعود أم ثمرة الممارسة؟ الحقيقة أنها تجمع بين الأمرين. كثير من المتع تبدأ بمصادفة صغيرة أو تجربة عابرة، ثم تأتي الممارسة لتكشف طبقات أعمق من اللذة لم تكن ظاهرة في البداية. قليلون من أحبوا القراءة من أول كتاب، أو استمتعوا بالرياضة من أول تدريب، أو تعلقوا بالسفر من أول رحلة. المتعة في كثير من الأحيان مهارة تنمو كما تنمو العضلات، وتزداد رهافة كلما ازداد الاحتكاك بها. التعود يمنح العقل ألفة تجعل التجربة أكثر سهولة وأقل غرابة، لكنه لا يكفي وحده، فالتعود بلا شغف يخلق عادة باردة، أما الممارسة الواعية فإنها تمنح المتعة جذورا أعمق ومعنى أكثر رسوخا.
من المفارقات أن الإنسان لا يكتشف متعته الحقيقية دائما في سن مبكرة. بعض المتع تنضج مع العمر، قد يكتشف المرء في منتصف حياته حبا للزراعة أو للتأمل أو للكتابة لم يكن يتصور يوما أنها ستصبح مصدرا لبهجته، كأن الحياة تظل تقدم فرصا جديدة للتعرف إلى أنفسنا من خلال الأشياء التي تمنحنا الفرح.
قيمة المتعة ليست في ظاهرها، بل في قدرتها على أن تجعل الإنسان أكثر حياة وأكثر اتصالا بذاته وبالعالم من حوله. كل إنسان يحمل مفتاحا مختلفا لباب السعادة، ما يبدو عاديا لشخص قد يكون كنزا ثمينا لشخص آخر. ربما كانت الحكمة الحقيقية ألا نقيس أفراحنا بمقاييس الآخرين، بل أن نصغي جيدا إلى ذلك الصوت الخفي في داخلنا الذي يعرف دون ضجيج الطريق الخاص الذي يقود كل واحد منا إلى متعته الفريدة.