التعليم.. والاجتهاد الفردي

ارتبطت النهضة الأوروبية بانتشار التعليم وتغلغله فى كافة الأوساط الاجتماعية، وبينما كانت المدارس والجامعات تنتشر فى أنحاء أوروبا مع مطلع العصر الحديث، كانت الكتاتيب تنتشر فى كل ركن من أركان العالم الإسلامى، وخصوصاً داخل مصر، ولعب المماليك دوراً مهماً فى ذلك، فقد كانت طبيعة التعليم فى عصرهم تعتمد على وجود كتاتيب مستقلة أو ملحقة بالمساجد الكثيرة التى أنشأوها، وكان الأزهر يمثل الجامعة الوحيدة التى يمكن أن يلتحق بها خريجو الكتاتيب بعد حفظ القرآن الكريم، وكل العلوم التى كان يحتضنها فى ذلك الوقت كانت علوماً دينياً، والعلوم المدنية التى كان يعلمها كانت تعمل فى خدمة المسائل الدينية، مثلما كان يعمل علم «الحساب» فى خدمة فقه المواريث، وعلم الفلك فى خدمة نظام الأهلة وهكذا.

ولو أنك نظرت إلى الكثير من نجوم مصر الحديثة فى مجال الفن والشعر والفكر فستجد أن أيديهم خالية تماماً من أى شهادات، أكبر ثلاثة نجوم للموسيقى والغناء فى تاريخنا، مثل السيدة أم كلثوم، ومحمد عبدالوهاب، ورياض السنباطى، لم يحصلوا على شهادات مدرسية أو أكاديمية، وينطبق ذلك على المفكر العملاق عباس محمود العقاد، الذى لم يحصل إلا على الشهادة الابتدائية، كان أعظم وأكثر عبقرية من كثير ممن حصلوا على أعلى الشهادات.

ولا يخفى عليك أن من حصل على شهادات جامعية من نجوم الشعر، مثل أحمد بك شوقى وأحمد رامى، حصلوا عليها من الجامعات الأوروبية، خصوصاً الجامعات الفرنسية.

لم يحصل عبدالوهاب أو السنباطى أو أم كلثوم على شهادة أكاديمية ولكنهم كانوا أعلى وأعظم من حمَلة أعلى الشهادات، فشغف هؤلاء بالعلم كان عظيماً، ويدفعهم باستمرار إلى حصد المعارف، عبر القراءة والاستماع، والتعلم مما أبدعه المؤلفون، أو كبار نجوم الفكر والعلم فى عصرهم ممن كانوا جزءاً لا يتجزأ من مجالسهم. فالتعليم مساران: الأول فردى يعتمد على اجتهاد الفرد، والثانى مؤسسى يرتكن إلى الاندماج فى المدارس والجامعات، والحصول على «شهادة» تؤكد أن فلاناً أو علاناً قطع شوطاً فى التعليم النظامى إلى مرحلة كذا أو كذا.

وقد بقيت فكرة «فردية الاجتهاد» العامل الأكثر حسماً فى النجاح والتميز فى مسارات التعليم النظامى، فالفروق الفردية بين المتعلمين تلعب الدور الأهم فى تميز متعلم عن آخر، والجهد الفردى يمثل العامل الحاسم فى التفوق، أقصد الجهد الفردى فى القراءة والمتابعة والفهم والاستيعاب.

كان هذا العامل هو الأهم فى الماضى، ومن خلاله تعلم الكثير من نجوم المجتمع المصرى فى العصر الحديث، وأفاضوا بإبداعهم على مصر والعالم، وما زال هو العامل الأبرز فى الحاضر أيضاً، يكفى كى تتأكد من ذلك أن تراجع ما يحكيه أوائل الثانوية العامة كل عام، وستجد أن اجتهادهم الفردى كان السر وراء تفوقهم، ولم تلعب المدرسة أو مراكز الدروس الخصوصية -كمؤسسات نظامية- دوراً ذا بال فى بنائهم التعليمى.