حد عايز يقولي حاجة؟
كان السؤال عفوياً، لكنه في الوقت نفسه شديد العمق، وجَّهه الرئيس عبد الفتاح السيسي لأحد طلبة الأكاديمية العسكرية المصرية، حين لاحظ تراجع بنيانه الجسدي مقارنة بزملائه المصطفين أمام الرئيس، خلال جولته التفقدية لمقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، وزيارته لطلبة الأكاديمية العسكرية المصرية.. سأل الرئيس سؤاله بعين المقاتل الذي يعلم ضرورة الاهتمام بالبنية الجسدية لطلبة الكليات العسكرية نظراً للمهمة التي تنتظرهم، وسأله أيضاً بعين أب يحدث أبناءه حديثاً نعتاده في البيوت المصرية «مالك خاسس كده ليه!»، لكن العين الأهم في توجيه السؤال كانت عين رئيس الجمهورية الذي فسر الغرض من سؤاله بجملة: «مش ده بس اللي محتاجينه من محمود ومن الباقي».
ما الذي يحتاجه رئيس الجمهورية من محمود ورفاقه؟، تبدو الإجابة منطقية، مرتبطة ارتباطاً وثيق الصلة بدور الأكاديمية العسكرية في تأهيل الطلبة والخريجين لما هو قادم، لا يتوقع أحد الغيب لكن يستعد له، وأول درجة في الاستعداد هو ما قاله محمود نفسه رداً على سؤال الرئيس: «باشتغل على نفسي وأرفع كفاءتي يا فندم».. وهو المطلوب إثباته.
يتوهم كثيرون أنهم في مأمن، بعضهم يربط أمانه بتوافر السلع الغذائية، وبعضهم ببعد المسيَّرات عن سمائنا، وصنف ثالث يربط المأمن بأن «الله حارسنا وحامينا»، فيما يرتكن السواد الأعظم إلى شعار أعظم «بلد الأمن والأمان»، وكأنها منحة طبيعية وهبها الله مصر دون أن يكون وراءها سبب أو يكون لأحد دور في تحقيق هذا الشعار.. في حين أن السبب موجود والدور موزع باحترافية شديدة على من يتحمله، والدليل أن رئيس الجمهورية بنفسه يتفقد طلبة الكليات العسكرية ويوجه أحدهم للاهتمام بتفصيلة قد يكون وراءها ألف سبب، لكنه لاحظها وتحدث فيها وأصبحت بعد الزيارة نظام عمل يشمل محمود ودفعته كاملة، والهدف «رفع الكفاءة وتأهيل الفرد المقاتل»، بحيث إذا قيلت «بلد الأمان والأمان» في أي سياق تكون حقيقة واقعة عليها ألف دليل ودليل، وليست شعاراً للاستخدام السياسي.
لم يُنهِ الرئيس زيارته بالملاحظة والتوجيه فحسب، أعقبهما بسؤال بدا أنه انتظر من يجيبه عليه «حد عايز يقولي حاجة؟»، لم يتلقَّ الرئيس إجابة، فالزيارة التي فاجأت الطلبة لم تسمح لهم بتحضير أسئلة وتوجيهها للرئيس، وهو الذي انتظر أن يباغته أحدهم بسؤال، هكذا اعتاد في لقاءاته بالشباب، لكنهم لم يفعلوا، وأغلب الظن أنهم لو فعلوا لوجدوا ما هو أكثر من مجرد إجابة، ليتبرع عشرات المتابعين للفيديو الذي بثته صفحات المواقع والقنوات والسوشيال ميديا بتقديم أسئلة للرئيس، أكثرها مرتبط بما دار في الجولة والزيارة وتوجيه الرئيس، وبعضها مرتبط بالحالة «حد يشوف الريس قدامه وميسألوش؟».. وهكذا تراوحت التعليقات، قليل فئوي يبحث عن إيصال صوته في مسألة بعينها، وكثير يتحدث عما أشار إليه الرئيس «القوة البدنية لشباب مصر» وليس طلبة الأكاديمية العسكرية فحسب، فلو كان للطلبة بالأكاديمية نظام صارم ومعايير معينة، فالأولى أن يعمم هذا النظام وهذه المعايير وتصبح اللياقة البدنية والصحة العامة جزءاً من تأهيل لكل شباب مصر لتحقيق المفهوم في أبهى صوره «بلد شاب قوي»، استناداً للميزة العبقرية في المجتمع المصري أنه مجتمع شاب عفّي.. وعليه صارت التصورات والمقترحات، كثير من التعليقات بادر كثيرون بتقديمها، بعضها يبدأ من الدراسة الجامعية، وأكثرها يرتبط بالتوظيف ومسابقات التعيين التي تطرح من آن لآخر.
حتى جاء تعليق لأحد المتابعين حمل المنطق الذي لا بد له أن ينتشر، إذ أشار إلى إجابة الطالب «باشتغل على نفسي وأرفع كفاءتي»، ففي زمن التطور لن يبقى سوى من يتطور ويستعد ويرفع كفاءته ويعظم من قدراته، لا يرتكن إلى ماضٍ حققه، ولا إلى إمكانيات يملكها، ولا لصيت حصل عليه، لن يبقى سوى من يقف «كتفاً سلاح» ولا يستريح إلا حين تصدر له الأوامر، أو تزول المخاوف، ولأننا «محاطون بالمخاطر» كحقيقة تاريخية، تزيد ولا تنقص، تتشعب ولا تنحصر، يظل الاهتمام برفع الكفاءة فرض عين على الجميع، كل في موقعه وفي مكانه، شخص أو كيان أو دولة.. حتى يتسنى لنا الإجابة عن سؤال الرئيس.