حرب الاستنزاف

ستبقى حرب الاستنزاف التي دارت ما بين عامي 1967 و1970 من القرن الماضي واحدة من أعظم وأبرز الحروب التي خاضها الجيش المصري ضد جيش الاحتلال.

عظمة حرب الاستنزاف ليست في النتائج التي حققتها أو في حجم الخسائر التي أحدثتها في بنيان ومقومات العدو.. حرب الاستنزاف التي أشعلها الجيش المصري بعد سويعات وأيام قليلة من تلك الساعات الحزينة في يوم الخامس من يونيو 1967.

ملحمة حرب الاستنزاف لم تكن قصراً على أبطال الجيش فقط، بل اتسع نطاقها بضم آلاف من شباب مصر من مختلف الفئات والأوساط الاقتصادية والاجتماعية، تم تجنيدهم لأداء الخدمة العسكرية، وظلوا منتظمين في صفوف القوات المسلحة كمقاتلين حتى تحقق إنجاز نصر أكتوبر 1973.

عظمة وقوة وأهمية حرب الاستنزاف أنها بدأت بقرار سريع وتوافقي، بين الجيش والشعب والقائد، ذلك القرار التوافقي تولد في أذهان وقلوب الجميع بُعيَد لحظات من وقوع تلك النكسة الطارئة.

الرسالة الأهم التي أرادها المصريون بحرب الاستنزاف كانت موجهة للعدو مباشرة، تقول إن خسارة معركة لا تعني خسارة الحرب، وتقول أيضاً إن المصريين لن يرضوا بأي صورة من الصور التغاضي أو التساهل في تحرير الأرض السليبة واستردادها.

الحقيقة أن المصريين عند إعلانهم بداية حرب الاستنزاف على الجبهة المصرية الإسرائيلية لم تكن لديهم كافة التجهيزات والأدوات والمقومات اللازمة، ولكن الإيثار وروح التضحية والإصرار على الإعلان وبعلو الصوت أن جيش مصر وشعبها لم يخلد للهدوء والقبول بالهزيمة.

الحقيقة أن هذه الحرب العظيمة «حرب الاستنزاف» نجحت في تحقيق هدفها الرئيسي، كونها حرب إزعاج وإرهاب للعدو وكيانه، ودفعت العدو إلى المطالبة بوقف إطلاق النار، وظلت حرب الاستنزاف بمثابة النيران المشتعلة في قلوبهم، لمدة تزيد على الثلاث سنوات، وفي نهايتها وافقت مصر على وقف إطلاق النار.

الحقيقة أيضاً أنه وبينما كان جيش مصر يدير وبكل كفاءة واقتدار حرب الاستنزاف، كان جيش مصر أيضاً يخطط للمعركة الأكبر والأهم، معركة التحرير وطرد العدو الغاصب من أراضينا السليبة، أو بالأحرى معركة رد الاعتبار.

مات الزعيم جمال عبدالناصر وسط التجهيزات والاستعدادات لحرب التحرير، لم تتأثر العقيدة ولم يتحول الهدف، وتواصلت المساعي والاستعدادات لوضع الخطة المناسبة لتنفيذ الهدف.

وخلال السنوات 1970 إلى 1973، ومع المضي في تنفيذ كافة الاستعدادات للحرب المقدسة، حرب التحرير، أدارت القوات المسلحة المصرية أكبر عملية تمويه عسكرية في تاريخ الحروب في التاريخ المعاصر.

خطة التمويه الكبرى، تلك، كانت هي الاستكمال الطبيعي لحرب الاستنزاف، وكانت التمهيد الطبيعي أيضاً لحرب التحرير، انتصار أكتوبر العظيم. بالطبع انتصار أكتوبر والملاحم البطولية التي سجلها أبطال جيش مصر وأبناء شعب مصر، يحتاج صفحات وصفحات وملايين الأسطر لتدوينها والإشارة إليها، وأشير إلى أن أكتب اليوم وللأجيال الجديدة عن حرب الاستنزاف كحرب عظيمة خاضتها مصر في مرحلة مهمة وبالغة الخطورة.

مصر خاضت هذه الحرب عبر ثلاث مراحل رئيسية، هي مرحلة الصمود (يونيو 1967 - أغسطس 1968) ومرحلة الدفاع النشط (سبتمبر 1968 - فبراير 1969) ومرحلة الردع والتحدي (مارس 1969 - أغسطس 1970).

خلال هذه الحرب تم تنفيذ ملاحم بطولية، يأتي على رأسها وفي مقدمتها معركة رأس العش (يوليو 1967): تصدت خلالها قوة صغيرة من الصاعقة المصرية لمحاولة مدرعة إسرائيلية احتلال مدينة بورفؤاد، وعملية تدمير الحفار الإسرائيلي (مارس 1968) «كينت أ» في ساحل أبيدجان قبل وصوله للتنقيب عن البترول في خليج السويس.

ويملتئ سجل حرب الاستنزاف بمئات بل آلاف الملاحم البطولية والقتالية.