أيام في بلفاست (3)
بدت لى المكتبة الدينية التى زرتها فى بلفاست متجهمة. لم تكن لها علاقة قوية بما أراه فى الشارع من إقبال الناس على الحياة، ومن طبيعتهم المرحة، وازدحامهم فى متجر صغير ملتصق بالمكتبة لبيع الملابس التى استغنى أصحابها عنها، وتركوها تباع لحساب جمعيات خيرية، بينما يحجمون عن ارتياد مكتبة هذه طبيعتها.
فى المتاجر التى دخلناها قابلنا أناساً متعاونين إلى حد كبير، ليس فقط الباعة الذين لا تفارق الابتسامات شفاههم، إنما أيضاً الزبائن، فما إن تقترب زوجتى من سيدة أو فتاة لتسألها عن رأيها فى قطعة ما من الملابس، حتى تجيب فى بساطة، وتنصح بما يفيد، وتبدى حدباً على من تعاونه.
كنت أعرف أن الأيرلنديين أكثر مرحاً من الإنجليز، هكذا تعلمنا من كتب الاجتماع والروايات وأفلام السينما. ورغم أن أيرلندا الشمالية تابعة لإنجلترا، وبعض الإنجليز الأقحاح يسكنونها، فإن أهل هذا الإقليم احتفظوا بطبيعتهم المختلفة هذه، لا تفارقهم الابتسامات والأهازيج، ويبدون وداً حيال كل من يحدثهم.
فى ميدان قريب رأيت رجلاً يجلس على طرفه يعزف موسيقى عذبة بجيتار، وأمامه آنية يلقى فيها العابرون ما يجودون بها عليه من نقود معدنية. هكذا يكون التسول هنا هادئاً، يقدم صاحبه خدمة مقابل ما يحصل عليه حتى لو كان قليلاً، لكنه لا يلح على أحد، ولا يستقلل ما يُلقى إليه حتى لو كانت بعض بنسات ضاقت بها الجيوب.
هناك تسول من نوع آخر، هكذا بدا لى، إذ وقف شاب يحدث العابرين عن مسيرة من أجل المسيح، ويطلب منهم ارتياد الكنائس الفارغة، وإلى جانبه آخر يحمل ورقاً ملوناً، مددت يدى إليه فأعطانى واحدة منه، فإذا به يحدد موعد هذه المسيرة ومكان انطلاقها.
وقفت على الضفة الأخرى من الميدان أراقب مدى استجابة الناس لمن يدعوهم إلى المسيرة والصلاة، فوجدتهم أقل كثيراً ممن يقدمون على عازف الموسيقى. يمضون أمامه وخلفه لا يعيرونه اهتماماً. سألت «مارك» ابن السيد «كراوفورد» فى اليوم التالى عن تفسير لهذا، فقال:
الناس لا يزالون متأثرين بسنوات الدم الطويلة، حيث الصراع بين البروتستانت والكاثوليك، وهناك خشية من عودة استقطاب دينى يجدد الموت والدمار.
تذكرت ما كنت أقرأه أيام شبابى عن هذا الصراع، إذ لم يكن يمر أسبوع حتى أجد خبراً عن انفجار فى مكان ما بأيرلندا الشمالية، وطالما استخدمنا هذه الأخبار برهاناً على أن القتل والتدمير الناجم عن التعصب لمذهب أو طائفة دينية هو قاسم مشترك بين أتباع الأديان، السنة والشيعة، والتنظيمات المتطرفة وسائر المسلمين، والهندوس والمسلمين والسيخ فى بلاد الهند، وغيرهم فى كل زمان ومكان.
ربما ما قاله لى «مارك» قدم لى إجابة عن سؤال قاوم رأسى وأنا أطالع مكتبة الكنيسة، لكنى وجدت نفسى أعوّل أكثر على ما يبديه الناس من تصرفات فى الشوارع والحوانيت أكثر مما يستقر فى بطون الكتب من أفكار لا تخلو من أغراض، بعضها ليس حميداً على أى حال.