على أرفف الذكريات

خديجة حمودة

خديجة حمودة

كاتب صحفي

عندما تطاردنا صور أعزاء رحلوا وتركونا نسترجع مذاق تلك المشاعر التي عشناها معهم بكل تفاصيلها، من دقات القلب إلى فرحته، وألم الشوق الذي لا يعرفه إلا من عاشه، والأمنيات والأحلام يكون المعنى الوحيد لها أن هناك حركة دائرة وسط أرفف الذكريات، وأن هذه الحركة بقدر جمالها، فإنها مؤلمة إلى حد ما. فقد تحرّكت معها أول كلمة حب وأول رسالة معطرة وأول صورة تجمع الأحبة، والأخرى التي تتحدث ملامح الحبيب فيها وتحكي أجمل حكايات العمر كله.

على أرفف الذكريات كلمات لم تُقل، وأخرى انطلقت تحتضن الحبيب وتلتف حوله وتطارده لتُثبت صدقها، وإلى جوارها قصاصات أوراق ملونة، إلا أن الأيام أصابت تلك الألوان في مقتل، فأصبحت باهتة يصعب التعرّف على لونها الأصلي، إلا من صاحبها الذي سطر فوقها أول ميعاد للقاء، وأول مكان ضمهما معاً، ومذاق طعام لم يكن يستسيغه، إلا أنه وقع في عشقه عندما عرف أنه المفضّل للحبيب، وأصوات موسيقى استعذبها، وأغنيات أطلق عليها أسماء مراحل تلك القصة الجميلة.

ويؤكد علماء النفس والكتاب والفلاسفة وعلماء الاجتماع أن الذكريات نوعان، فهناك السعيد منها والمؤلم.

وحسب رأي شوبنهاور في كتاب «فن العيش الحكيم» فإن الماضي مرتبط بشدة بالحاضر والمستقبل، ولذا يجب أن تكون علاقتنا بالذكريات، فلو كانت لدينا ذكريات سيئة في نوع معين من الأنشطة سنجد أنفسنا نبعد عنه، حتى لو كانت الظروف تغيّرت إلى الأحسن. ويوضح الخبراء الفوائد والآليات الرئيسية لاسترجاع الذكريات، حيث يؤكدون أن الاسترجاع المتعمّد للذكريات الإيجابية واللحظات السعيدة (الحنين أو النوستالجيا) يُنشط مراكز المكافأة في الدماغ، مما يُقلل إفراز هرمون التوتر (الكورتيزول) ويُخفّف أعراض الاكتئاب.

يحاول الناس قدر الإمكان الاحتفاظ بالذكريات الجميلة التي عاشوها، وفي الوقت نفسه التخلص من اللحظات السلبية والمؤلمة، غير أن الكثيرين لا يستطيعون ذلك، ويظلون سجناء للذكريات السلبية، مما يسبّب لهم معاناة نفسية قد تطول مدى الحياة. ويسود الاعتقاد لدى الكثيرين بأن نسيان ما عاشه الإنسان غير ممكن. لكن نتائج دراسة جديدة أجراها باحثون في جامعة تكساس في أوستن، أظهرت أن عملية النسيان ممكنة. ويتم ذلك من خلال التركيز وبذل جهد ذهني، حسب موقع «بيزنس إنسايدر» البريطاني.

كما أوضح الباحثون بجامعة تكساس أن الدماغ يتوافر على بنية ديناميكية يتم تحديثها وتكييفها بانتظام من خلال التجارب التي يعيشها الشخص. فخلال النوم نقوم تلقائياً بحفظ وتخزين بعض المعلومات في الذهن والتخلص من أخرى.

وخلصت نتائج بعض الدراسات السابقة إلى أن تسريع عملية نسيان الذكريات السلبية ومحوها من الذاكرة، ممكن فقط عبر تقليل الانتباه إلى الأحداث السلبية التي عشناها أو محاولة «قمع» تلك الذكريات بوعي. لكن نتائج الدراسة الجديدة كانت مفاجئة وترى العكس تماماً.

وحسب الباحثين من جامعة تكساس فإن التحكم بوعي في عملية النسيان أمر قابل للتطبيق من خلال لفت الانتباه إلى الذكريات غير المرغوب فيها بدل محاولة صرف النظر عنها. وفي هذا الصدد يقول جارود لويس بيكوك، أستاذ علم النفس في جامعة أوستن وأحد المشاركين في الدراسة: «يمكننا محو الذكريات التي تثير ردود فعل سلبية، كالتجارب المؤلمة، حتى يكون باستطاعتنا التعامل معها بشكل مناسب في المستقبل».

إلا أننا على المستوى الفردي والشخصي وبعيداً عن الدراسات والأبحاث العلمية والتاريخ القديم والحديث والندوات والنقاشات التي تدور فيها، نظل نتمنى قبل أن نُغلق عيوننا ونخلد للنوم أن نقضي ليلنا نتجول في أحلامنا على أرفف الذكريات، لنلتقي بالأعزاء وساكني القلوب.