المجتمع والفراغ الرهيب

أمينة خيرى

أمينة خيرى

كاتب صحفي

غريبة جدًّا هذه الأجواء الحوارية المجتمعية الملتهبة المحتقنة التي تحيط بكل قضية فيها رأي ورأي آخر، أو مواقف مختلفة. والأغرب هو أن هذه السخونة المرضية سببها ليس القضية نفسها، بقدر ما تتعلق بطريقة «الحوار» وأسلوب «النقاش».

والحقيقة أن ما يجري لا هو بالحوار أو النقاش، فما سبق يتطلب أن يستمع الشخص أو الأشخاص لما يتم طرحه، والتمعن فيما يقال، والتفكير فيه، ثم الرد عليه بحجة المعلومة وبرهان المعرفة والرأي أو الموقف الذي تكون بناء عليهما بشكل يجعله رأيًا «ماسك نفسه».

أما ما يجري من خناقات الكلاب، ومعارك «الطيبات»، ومنازلات حول الإناث، وتقطيع هدوم بسبب النقاب، ولكمات وركلات تتعلق بـ«بالطو الناني»، واغتيالات معنوية ونظرية بسبب الموقف من الاتجار بالجنس وغيرها الكثير، فهو ليس نقاشًا أو تبادلًا لوجهات نظر لا سمح الله. هو عراك لأجل العراك. لا هذا يسمع، ولا ذاك يعقل، ولا هذا أو ذاك يعطي نفسه فرصة ليسمع ما لدى الآخر من فكرة أو حجة قبل أن يرد.

هذا التطرف في اعتناق الفكرة، والتشدد في الدفاع عنها، والمغالاة في رفض طرح أي بدائل أو وجهات نظر أخرى لا تعكس سوى ضحالة شديدة، وضعف جارف، وقلق رهيب، وانعدام ثقة مذهل. وحين يحدث ذلك بشكل جماعي، حيث تجد مجموعة من الأشخاص تتشارك في دفاع عنيف عن فكرة، ورفض عتيد للاستماع إلى وجهات نظر أخرى تتعلق بالفكرة، فإن ذلك قد يعني «تروما جماعية» أو صدمة جماعية ألمت بهم، ودفعتهم للتصرف بهذا الشكل الخالي من التعقل أو التدبر.

غالبًا يلجأ الناس إلى أساليب عنيفة، سواء جسدية أو لفظية أو عدوانية للدفاع عن أفكارهم حين تتحول الفكرة إلى معتقد. وهذا يحدث في الأغلب لأنهم يكونون في حالة بحث مضنٍ عن هوية أو شيء ما ينتمون إليه. وحين تواجه الفكرة المتحولة إلى معتقد بفكرة أخرى أو مضادة، أو حجة من شأنها أن تدفعه إلى إعادة التفكير فيما يعتنق أو يعتقد، يجد نفسه يدافع عن فكرته دفاعًا شرسًا. هو نفسه يعتقد أنه يدافع عن الفكرة، لكنه في واقع الأمر يدافع عن شعوره بالانتماء إلى شيء ما، وهو الانتماء الذي يعطيه إحساسًا بالأهمية أو المعنى أو القيمة.

وبدلًا من أن يبحث عن معانٍ وقيم ومبادئ عدة يؤمن بها ويعتنقها، يكتفي بواحدة، يتشبث بها، ويعتبرها سر وجوده، وسبب بقائه، ودونها الرقاب.

ما يجري على سبيل المثال لا الحصر من خناقات مروعة حول الكلاب في الشوارع أمر بالغ الأهمية. تبدو المشكلة هينة للبعض، ويبدو النقاش، أو بالأحرى العراك، مثيرًا للبعض الآخر. لكنه وغيره يمثل نقطة تحول خطيرة في المجتمع، وتركها بلا فحص، وتشخيص، وعلاج يدفع بنا نحو الهاوية.

مرة أخرى، موضوع الكلاب مجرد مثال. لا الفريق المهاجم لديه أرقام حقيقية أو معلومات موثقة، ولا الفريق المدافع قادر على الشرح. والنتيجة أن كلاً منهما ماسك في خناق الآخر، و«هاتك يا ضرب». أما المشكلة نفسها وتفنيدها وفهمها بطريقة علمية منطقية، فلا تعني أحدًا.

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل ذهب إلى درجة تخصيص لجان أو تشجيع كتائب أو الدفع بمجموعات على الأثير لترفع من درجة الشحن والتهييج والإشعال لتخدم هذا أو ذاك. وتأتي توليفة الجنون كاملة متكاملة، حيث السب متبادل، والشتم للجميع، وكذلك الدفع بأخبار مفبركة، وحقائق لا وجود لها على أرض الواقع، وأخبار لم يكتبها أحد، بل اخترعها أحدهم لتعضد الموقف أو الموقف الآخر.

والنتيجة إغراق المجتمع كله في خناقة حواري، مع الاحترام لحارات مصر الأصيلة والعريقة، مع عدم التطرق من قريب أو بعيد لعلم المنطق، أو مبادئ التعقل، أو بالطبع التفكير العلمي الذي يعتمد في حل المشكلات على تحديد المشكلة، ثم جمع المعلومات والبيانات، يليها وضع الفرضيات المحتملة، مع استخدام العقل واستنباط علاقات منطقية، ثم إخضاع الفرضيات لاختبارات للتحقق من فعاليتها ودرجة مواءمتها وجدواها، وهنا يمكن الاستعانة بتجارب الآخرين الناجحة، وأخيرًا، استخلاص النتائج واتخاذ القرارات، دون هبد أو رزع، أو ضرب، أو شتيمة.

وهذا ينطبق على الغالبية المطلقة من الخناقات العجيبة التي تعصف بالجميع. في تلك الأثناء، ربما يجدر بنا أيضًا معرفة الأسباب التي تجعل البعض يلجأون إلى هذه المعارك المضنية منزوعة المنطق الخالية من الغاية أو الهدف أو الثمار لملء فراغه النفسي أو الفكري. وأطرح هنا احتمالية تحتمل الخطأ أو الصواب. حين يشعر البعض بالفراغ الفكري، أو غياب الهدف، أو الإحباط الشديد من ظروف الحياة، يلجأ إلى تعويض ذلك عبر تخدير هذا الفراغ، أو ملئه بفراغ أكثر وحشية منه، يبدو كأنه فكر عميق، وأيديولوجيا جبارة، ومنظومة فكرية مهيبة، لكنه فراغ مميت.