في حارتنا «فتوة»
لم يهتم أحد بتناول دراما حياة الفتوات كما اهتم العالمى «نجيب محفوظ»، فقد عاصر الكثير من الفتوات خلال رحلة حياته، وشاهد نماذج كثيرة لفتوات الحارات والأحياء خلال حقبتى الثلاثينات والأربعينات، واستدعى سيرتهم وأعاد إنتاجها فى نصوص أدبية بديعة.
لقد أبدع نجيب محفوظ فى اختزال الكون فى حارة، وجسّد سيرة الإنسان فى رحلة يحكمها دائماً الصراع بين الخير والشر، بين بشر مؤمنين بالعدل وآخرين مؤمنين بالقوة.
المؤمنون بالعدل يحلمون بفتوة طيب يُحقّق أمانيهم فى إغاثة الضعيف، وإنصاف المظلوم، ولا ينحاز إلى الأغنياء وكبار التجار داخل الحارة، ولا يجعل من قوته أداة تساعدهم على قهر الضعفاء العاديين.
فى رواية «أولاد حارتنا» جسّد نجيب محفوظ الكون فى تلك الحارة الضخمة التى أنشأها الجبلاوى، وقذف فيها بعد ذلك بأبنائه ودفعهم إلى العيش فى الخلاء العريض، ومن ذرية ولديه إدريس وآدم امتلأت الحارة بالبشر، وانقسمت إلى أحياء ومناطق، بعضها ينطق بالثراء، يسكنها الأعيان، وبعضها يدهمها الفقر بقسوة وغلظة ويسكن فيها أغلب أولاد الحارة.
الفقراء الضعفاء لا يتوقفون عن الحلم بفتوة عادل ينظف الحارة من المظالم، ويعيد إليها القيم التى حثّ «الجبلاوى» أولاده عليها، فتوة مثل «جبل» الذى انتصر لعائلته، ودافع عنها بقوة ضد الفتوات الأشرار الذين يعملون لحساب ناظر الوقف، الذى يسيطر على السلطة والثروة.
عاش الضعفاء آمنين مطمئنين فى عهد «جبل»، حتى إذا مات عادت الحارة إلى الظلم وسيطر الفتوات المؤمنون بالقوة والقهر على المشهد، ثم ظهر «رفاعة»، ومن بعده «القاسم»، فصنعا حياة عادلة، انتصرا فيها للعدل وأزاحا الظلم، وتمكنا من ردع الفتوات المتحالفين مع أصحاب الثروة والسلطة، الذين يقهرون الضعفاء بأدوات قوتهم.
ونسج نجيب محفوظ قطعة أدبية فريدة فى ملحمة «الحرافيش» التى رسم فيها صورة الفتوة الذى يحلم به الحرافيش الضعفاء الباحثون عن العدل، عبر شخصية «عاشور الناجى» الفتوة الكبير مجهول النسب، الذى ربّاه الشيخ «عفرة زيدان»، ونجا من «الشوطة» التى ضربت الحارة، وحينما جلس على عرش الفتونة التزم بالعدل بين أبناء الحارة، وكان يأخذ الإتاوة من الأغنياء ليُعطى الفقراء، وفى الوقت نفسه أمر الحرافيش بالعمل والجد وعدم الاتكال على ما يأتيهم من الأغنياء.
لقد نجح الناجى الكبير فى بناء مجتمع مثالى فى الحارة، ثم انتهى كما ينتهى كل حى، وخلف من بعده فتوات نهج بعضهم نهجه فى العدل، مثل شمس الدين وسماحة الناجى، وجنح آخرون إلى الظلم والاستقواء وجمع الإتاوات من الناس، وكنز من المال الحرام الكثير، واشترى البيوت والأراضى والوكالات، وأصبح جزءاً من نخبة الحكم بالحارة بعد أن تحالف مع الأعيان، تجد نموذجاً لهذا التحول فى شخصية سليمان الناجى الذى نشأ بين الحرافيش الذين أجلسوه على عرش الفتونة، ثم تنكر لهم حين تزوج بنت تاجر كبير بالحارة، وبدأ ينعم بما ينعم به الأعيان من مخملية عيش، ونسى الحرافيش.
لقد امتلك نجيب محفوظ تصوراً للحياة وكأنها ترتكز على «الفتونة»، فالحياة تستقيم مع الفتوة العادل وتختل مع الفتوة المختل.