فكري فيصل: الرواية الجيدة هي السيرة الذاتية لصاحبها.. والبطل هو المؤلف ذاته (حوار)

كتب: ياسر الشيمي

فكري فيصل: الرواية الجيدة هي السيرة الذاتية لصاحبها.. والبطل هو المؤلف ذاته (حوار)

فكري فيصل: الرواية الجيدة هي السيرة الذاتية لصاحبها.. والبطل هو المؤلف ذاته (حوار)

يحمل عالم فكري فيصل رائحة المخطوطات القديمة وصوت الفلاسفة وأسئلة الإنسان التي لا تهدأ، يبتعد عن صخب الظهور، ويترك الرواية تؤدي دورها كاملاً، مؤمناً بأن النص أصدق من الصورة، وأن أبطاله يحملون أجزاء من روحه ويواصلون رحلتها فوق الورق.

تمضي رواياته بين الإسكندرية وغرناطة والقاهرة والصحراء والمستقبل، وتستدعي الشخصيات المنسية، وتبعث الوقائع القديمة من جديد، وتطرح سؤالاً واحداً يلاحق الإنسان في كل زمان: مَن نحن، وما المعنى الذي يمنح الحياة قيمتها؟

في هذا الحوار، يفتح فكري فيصل أبواب مشروعه الروائي والفلسفي، ويتحدث صاحب «قصة غرناطة» و«هيباتيا» و«بوابة المتولي» عن العزلة والخيال والبحث في التاريخ، وعن قناعته بأن الأدب يُحيي الأرواح ويواجه التعصب والسلطة، وأن الرواية الحقيقية تبقى شاهداً على رحلة الإنسان الدائمة في البحث عن الحرية ومعنى الوجود. وإلى نص الحوار:

■ كيف أسهم قرار إخفاء هويتك في تشكيل علاقة القارئ بنصوصك؟

لم أختفِ، كيف لمن له قرابة العشر روايات أن يكون مختبئاً، فقط هي عُزلة، ربما نفور من كثرة الظهور الإعلامي الذي يسرق الروح، في إحدى المرات عندما قام أحد المصورين الغربيين بتصوير هندي أحمر وأراه صورته قال له: لماذا تسرق روحي؟ وسمُّوه «سارق الروح».

أؤمن بأن النص سفير كاتبه، في القرن التاسع عشر حين كُتِبت عيون الأدب الإنجليزي والروسي والفرنسي لم تكن وسائل النقل قد تطورت مثل اليوم، ولم يكد أحد من القراء يرى كاتبه، لكن الروايات الخالدة العظيمة كانت تقوم مقام أصحابها. وما زالت تصلني من قرائي الرسائل المدبجة عن كيف تغيرت حياتهم، وكيف ألهمتهم أعمالي.

لدينا كُتّاب كان الغموض والعزلة جزءاً من حياتهم مثل توماس بينشون

■ إلى أي مدى يتحول الغموض المحيط بالمؤلف إلى جزء من التجربة الأدبية نفسها؟

سوف أكون صريحاً معك، إذا كان الكاتب جيداً، أعني موهوباً ذا خيال خصب وتجربة رائدة، فإنه لا يبالي بشيء ولا يُنقص من قدره ابتعاده، كما لا يزيده حضوره. لدينا كُتّاب عالميون كان الغموض والعزلة جزءاً من حياتهم، مثل سالينجر صاحب «الحارس في حقل الشوفان»، وتوماس بينشون، وكلاهما اختفى لعقود، حتى صار اختفاء سالينجر يُضرَب به المثل.

■ ما الذي تخسره الأعمال الأدبية عندما تغيب السيرة الذاتية لكاتبها عن النقاد والقراء؟

الرواية الجيدة هي السيرة الذاتية لصاحبها، والبطل هو المؤلف ذاته.

■ كيف توازن بين رغبتك في الاختفاء وحاجتك إلى الحضور الإعلامي والترويج لأعمالك؟

سوف يكتشفون بعد موتي أنني كنت حاضراً معهم في كل مكان فقط لأنني بطل كل رواياتي!

■ كيف تحافظ على حيوية الخيال وسط عملية بحث تاريخي تستغرق آلاف الصفحات؟

هذه هي موهبة الكاتب، لقد قرأت عشرات الكتب، ومحاورات أفلاطون كاملة في ستة آلاف صفحة، فقط لأستحضر شخصية الفيلسوفة هيباتيا من عُمق التاريخ ومن على بُعد 1600 عام تفصلنا عن موتها الأسطوري، فقط لأنها كانت من أتباع المدرسة الأفلاطونية الحديثة. موهبة الكاتب والروائي أن ينفخ الروح في شخوص التاريخ ويُعيدها حيَّة كيوم ماتت. لقد توقفت عن الكتابة قرابة الشهرين في الثلث الأخير للرواية حتى وردني المرجع النادر «حياة إيزيدور أو التاريخ الفلسفي»، للفيلسوف الدمشقي داماسكيوس، وهو المرجع الوحيد في العالم المعاصر والراوي لتلك الفترة في الإسكندرية وعموم الإمبراطورية، وكانت البراعة أن تنتزع منه روح الحياة الحية لتبثها في خواتيم روايتك كي تعود حية كيوم كانت.

صاحب «قصة غرناطة»: أرفض ملاحقة الجوائز.. والشللية الأدبية واقع حتى وإن أنكرناه

■ ما المعايير التي تحدد المسافة الفاصلة بين الحقيقة التاريخية والحرية الروائية في أعمالك؟

هناك قواعد لا يمكن تجاوزها، فلا يمكن أن أعبث بالتاريخ وأحوِّل شخصية عظيمة لأخرى انتهازية أو شخصية شريرة إلى خيرٍ مُطْلَق. مع ذلك تبقى حرية الكاتب في الفصل والوصل بين شخوص عمله الروائي وفي «المسافات البينية» بينهم، ما يسمح بالزج بـ«التفاصيل الصغيرة» التي تملأ فراغ العمل لتجعله وحدة كاملة حية تنطق وتضج بالحياة كهدير السعي اليومي بما لا يُخل بحقيقة تاريخية مُجمَع عليها.

■ كيف أثرت كتابة رواية «هيباتيا» في رؤيتك لعلاقة الفكر بالسلطة والتعصب؟

يقال إن الدعارة والجاسوسية أقدم مهنتين في التاريخ، ومع اختلافي إلا أن التعصب وجنون السلطة حدث متكرر دائم، وما أباطرة روما الملتاثين ببعيد.

رواية هيباتيا -والتي يعتبرها الكثيرون نقطة التحول في مساري الروائي- كانت باباً ونافذة لعالم آخر جعلني أرى العالم على ما هو عليه لا كما يبدو أو يحاول أن يبدو ويتجمل، فجنون السلطة والتعصب الديني كانا قرينين لأغلب المسيرة البشرية. إلا أن تلك الفترة كانت فترة «مفصلية» في تحوُّل الإمبراطورية الرومانية من وثنية لمسيحية، وكان قدر الفيلسوفة هيباتيا السيئ أن تعيش في تلك الفترة وتكون آخر فيلسوف/ فيلسوفة معروفة. كان الفكر مرفوضاً طوال التاريخ، فقط لأنه ضد السلطة المطلقة والتعصب الذميم، لذلك يُروَى عن جوبلز قولته الشهيرة: إذا قالوا مثقف تحسست مسدسي!

■ ما الذي جذبك إلى مرحلة ما بعد سقوط غرناطة أكثر من لحظة السقوط نفسها؟

لحظة السقوط مُجمَع عليها ومتكررة في أغلب الحواضر الأندلسية التي سقطت تباعاً وفي مدة وجيزة، لكن القصة الحقيقية تبدأ بعد السقوط. إذا نضج الطعام (بالعامية نضجت الطبخة) يمكن تناوله، ويمكن رؤية القصص الإنسانية الكبرى في رواية قصة غرناطة حيةً مضطرمة متشابكة، وبعد مائة عام من سقوطها.

■ كيف تنظر إلى الانتقال المستمر بين الأندلس والإسكندرية والمماليك والعوالم المستقبلية داخل مشروعك الروائي؟

صدِّق أو لا تصدِّق، كل ذلك يربطه خيط واحد هو: الإنسان! فمن هنا لهناك، ومن مدينة لمدينة، وعصرٍ وعصر، يبقى الإنسان وحيداً وواحداً في اغترابه الدائم عمن حوله، ومأساة شاب عاش في زمان سقوط غرناطة -أو المماليك- هي ذاتها مأساة شاب يعيش اليوم أو سيعيش في الغد، وأسئلته هي أسئلته.

■ ما الرابط الفكري الذي يجمع بين أعمال تبدو متباعدة في الزمن والموضوع؟

الرابط هو البحث الدائم من البطل عن «كينونة الوجود» ذاتها، وعن معنى لحياته وسط ضياع مطلق واختفاء القواعد أو القيم وتآكلها بحيث يسأل الإنسان مَن أنا؟ ولماذا أعيش؟ ومن أجل مَن؟ وماذا؟

■ ماذا تمثل ثلاثية «القاهرة» في مسارك الأدبي والفكري؟

تمثل قمة النضج الفلسفي من «بوابة المتولي» إلى «الموت على أبواب الشتاء» مروراً بالرواية الوسطى «حديث القاهرة». تبدأ من زمان الخديو إسماعيل وتنتهي في المستقبل سنة 2100 حين يحكم كمبيوتر كمّي خارق كل شيء. ووسط كل ذلك تبدو العاصمة العظيمة قاهرة كل شيء، مرةً عظيمة ومرةً محطمة، وتبدو الوجوه التي تمر بها مثل ظلال العصاري المرتمية على الجدران تنطبع وجوهها عليها وأسئلة المارين كمسلسل طويل لا ينتهي ولا ينقطع.

■ كيف توظف المكان بوصفه بطلاً يمتد عبر الأزمنة المختلفة داخل الثلاثية؟

هناك روايات المكان فيها هو البطل مثل «عمارة يعقوبيان»، ولو أنك انتزعتها من مكانها لكانت شخوصاً باهتة في قرية منسية في حِضن الجبل أو أعماق الدلتا! المكان هنا هو القاهرة أو مصر المحروسة وهي أمٌّ رؤوم تضم أبناءها لحِضنها، وعندما تسير عصراً تسمعها تهمس بصوتٍ كمرور الريح في الطرقات في عصاري فائتة أو لاحقة.

■ كيف تجعل التأملات الفلسفية جزءاً من البناء السردي دون أن تطغى على الحكاية؟

كانت الأسئلة رفيقاً للبشرية منذ بدايتها، وكان الإنسان يسأل دوماً عن النجوم والكواكب وأصوات الرعد والتماع البرق، في ثقافة الهنود الحمر بأمريكا اللاتينية يسمون السماء: البحر الأعلى! فكيف لا يكون التأمل جزءاً من العمل، بل وكيف يطغى على العمل وكل حياتنا هي تأمل فلسفي طويل وبحث في حقيقة الحياة والموت! أراهن على وعي القارئ والكاتب صاحب الموهبة لا يبالي بحضوره أو غيابه إعلامياً.

■ ما الذي تراهن عليه عندما تمنح المونولوج الداخلي مساحة واسعة في رواياتك؟

أراهن على وعي القارئ! لست «شكسبير» ولا العمل هاملت! ولا هو من العصر الفيكتوري، لكن الآهات لا بد أن تخرج! لا بد أن تسمع صوت الداخل يطغى على الخارج وإلا لَجُنَّ الإنسان.

■ ما الدافع الذي قادك إلى الابتعاد عن سباق الجوائز الأدبية؟

الشللية الأدبية واقع حتى وإن أنكرناه، أُفَضِّل أن تأتي هي بدلاً من أن ألهث وراءها.

■ كيف تقرأ التباين الحاد في استقبال القراء لأعمالك بين الإعجاب والرفض؟

سوف أكون صريحاً معك، رواية مثل قصة غرناطة أعجبت الناشرين ولم تعجب القراء، ربما لأنها كانت مختلفة عما عهده القارئ من الرواية التقليدية والقص التقليدي: بداية ووسط أو عقدة ونهاية أو الحل. هناك كلمة قالها لي صديق يمني هي: اكتب لنفسك! هذه نصيحة مدارة وسط الكُتّاب، وقد صرت أفطن لها مؤخراً حين صرت أستمتع بما أكتب إذا تصفحت أعمالي السابقة المنشورة. من الطبيعي ألا يروق بعض أعمالك للقارئ ويروق له آخر، وكذلك أن يختلف مع أسلوب كتابتك الذي قد يبدو حداثياً جداً وتجريبياً في كثيرٍ من الأحيان.

■ كيف تفسر حضور الماضي التاريخي بوصفه مساحة متكررة في مشروعك الروائي؟

أؤمن بأن التاريخ يتكرر بإلحاح، لحظة دخول التتار بغداد بقيادة هولاكو سنة 656 هجرية هي ذاتها دخول الاحتلال بقيادة بوش. التاريخ حدث متكرر دائم وفيه كل العبر والدروس وأسئلة الوجود أيضاً.

■ ماذا يعني مفهوم الحرية داخل مشروع فكري فيصل بوصفه رؤية للكتابة والحياة؟

الحرية هي ما نحيا ونقاتل من أجله، ولذلك ماتت الفيلسوفة الشهيدة هيباتيا السكندرية. الفيلسوف سقراط تجرَّع السم، أما جاليليو فأذعن للكنيسة ومحاكم التفتيش، لكنه همس وهو ينزل الدرجات في أذن شابٍّ حاضر: ولكنها تدور.

انتقاد أعمالي

الانتقادات التي تصف أعمالي بأنها بطيئة أو شديدة الفلسفة تكشف طبيعة العصر الذي نحياه، وهو عصر السرعة والقلق، وهناك ممثل مصري مشهور ومثقف قال عن طقوس قراءته إنه يرتدي أفضل ما عنده ويتعطر قبل أن يقرأ، أين ذهب مثل هذا القارئ الكلاسيكي الذي يمكنه استيعاب رواية فلسفية تأملية ثقيلة بدلاً من عصر روايات الرعب والبوب فيكشن pulp fiction، إذن العيب ليس منا نحن الكُتّاب ولا من القارئ، بل من طبيعة العصر التي استبدلت الكتاب بشبكات ومنصات الأفلام والمرئيات وعصر السرعة والهاتف المحمول، قديماً كانوا يلعبون الشطرنج بالمراسلة، ولك أن تتخيل.

1235


مواضيع متعلقة