في مرايا الشعر
هذا كتاب جديد أهداه لي الدكتور خالد أبو الليل، رئيس مجلس إدارة هيئة الكتاب، دار النشر الكبرى في مصر والوطن العربي وربما العالم الثالث. صممت غلافه الدكتورة هند سمير، وهذه هي الطبعة الأولى منه. ويقع في 380 صفحة من القطع المتوسط، ويباع بـ145 جنيهاً وهو مبلغ كبير وضخم بالنسبة للقدرات المالية لقراء الكتب في بر مصر الآن.
يكتب جمال القصاص وهو شاعر وناقد وصحفي عن كتابه: في لحظات الانفعال بكتابة الشعر أفرح وأغضب أحياناً، وأحس بالورطة حين يتحول فعل الكتابة نفسه إلى فخٍ يترصدني، كأنني ذئب في فروة فريسة، أو فريسة في فروة ذئب. حينها أشعر بمأزق عليَّ أن أنجو منه بمأزق آخر ضده، أصنعه وأستمتع به كطفل يراقب بدهشة وشغف ذاته الشعرية، وهي تبتكر الحلول على صفحة الورقة، أحياناً على شكل مقارنة كوميدية ساخرة، وأحياناً أخرى على شكل طرقة درامية مشحونة بالشعر والتوتر وعلى شكل سؤال حائر ممسوس بعصب الوجود، وعطبه أيضاً.
في الحالات كلها أكره الوصفات الجاهزة أياً كانت نصاعتها وبريقها، أحب أن أترك نافذتي مفتوحة، ربما تعن لي خاطرة ما، أو أكتشف أن ثمة شيئاً في النص لم أبح به أو لم يُلمَّح به إليَّ، ورغم إدراكي أن ثمة حالة من الجدل غير مرئية تكمن تحت طبقات الوعي واللاوعي، فإن مساحة الوعي الوحيدة التي أحرص على ألا تهرب مني هي أن تأتيني الفكرة، ترافقها دوماً القدرة على نسيانها، أو ربما لأنني أعيش الشعر كحالة، كطقس، كتمرين متواصل على الحرية. وأنني أكتب حتى أحب نفسي وألتصق بها أكثر، ومن أجل ذلك أتصيد لحظة مخاتلة من السعادة والنشوة. حتى ولو في ظل حكاية مُعادة أو مشهد يومي رتيب، أو لحظة فرح تومض في شق.
إن هذا الكتاب الضخم يكتب فيه الشاعر عن زملائه وأبناء جيله من الشعراء المعاصرين له، والكتاب مُهدى إلى حلمي سالم رفيق الدرب والشعر، ويعترف بأنه دائماً معه بروحه الطيبة النبيلة. ثم يقول إنه كتب هذا الكتاب على مدار سنوات، وفيه قراءات عاش فيها لحظات فرح بالشعر والشعراء والشاعرات. كانت خبرته كشاعر هي البوصلة الأولى التي نظر من خلالها بعين القارئ والناقد معاً لهذه الأعمال التي أحبها.
واعتبر أنها عبر نماذجها تشكل تمثيلاً مُرضياً على الأقل بالنسبة له في متابعة الحركة الشعرية العربية، ورصد ما وصلت إليه من مغامرة الحداثة والتجديد عبر حراكها الدائم منذ فترة الستينات، والتي شهدت تحولاً لافتاً على مستوى الشكل والمضمون، وحتى اللحظة الراهنة التي تحررت فيها هذه الشعرية من قيود الإطار التي ظل يحكم فعالياتها في أنساق لغوية وبلاغية، وإيقاعات محددة جعلتها تلتصق أكثر بالموضوع وما انطوى عليه من محمولات تراثية وهموم سياسية واجتماعية تعمل على إبرازه وبلورته ليتصدر المشهد، وهو ما جعل المسافة تتسع بينه وبين الشكل.
ولأن صاحب الكتاب شاعر قبل أن يكون ناقداً أو صحفياً فهو لا يدَّعي الصواب فيما ذهب إليه. ويعترف أنه ما زال يسعى لامتلاكه فيما تبقى له في هذه الرحلة الممتعة مع الشعر. وهو يعتقد كشاعر وكاتب أن الخطأ محض صواب لم ينضج في أوانه. بل ربما لم نلتفت إليه وهو يسقط من شجرة الحياة ليعاود الكرة من جديد بقدرة أوسع على إدراك نفسه وإدراك الحرية. وأن المسألة ليست معولاً للهدم، بل إنها أساس للبناء. والتشبث بإدارة الأمل والحكم. ثم يحيي الشعراء الذين كتب عنهم ويقول لهم: أضفتم لوجودي في الشعر مساحة أخرى من الضياء والمحبة.
يبقى الشعراء الذين كتب عنهم، وهم: حلمي سالم، رفعت سلام، فريد أبو سعدة، صلاح اللقاني، محمد حسيب القاضي، محمد عيد إبراهيم، عاطف عبد العزيز، فتحي عبد السميع، محمود قرني، إبراهيم داود، عزمي عبد الوهاب، ميسون صقر، أحمد الشهاوي، مؤمن سمير، عماد موسى، رشا أحمد، عمر شهريار، عماد فؤاد.
ويختم كتابه بمقال عن نازك الملائكة عنوانه: الركض فوق مسرح كورونا.. نازك الملائكة نموذجاً. إنه كتاب مهم رغم ارتفاع سعره، فإن نُدرة موضوعه تجعل الحصول عليه مطلباً أساسياً لأي مثقف مصري أو عربي أو عالمي.